رواية جينيفر زينب جوخدار: "خريطة الملح والنجوم"

تتبع مسار اللجوء من سوريا بخرائط الإدريسي العتيقة

تغيّرت المدن لكن الجغرافيا لم تتغير. سوريات عُدْن إلى سوريا أثناء الحرب أملاً في العيش ضمن أماكن آمنة. لكن بعد تدمير منزلهن يتبيّن لهن ألاَّ مكان بخير في سوريا. فيضطررن للرحيل مجددا من حمص باتجاه إسبانيا، مستعينات أثناء الرحلة بقصة من القرن الثاني عشر، تصف خرائط الإدريسي، راسم خريطة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لملك الفرنجة في صقلية. ريتشارد ماركوس يعرّف موقع قنطرة برواية "خريطة الملح والنجوم".
 
اختارت جوخدار أن تُظهِر لنا العالم من خلال عيون نور، الشابة الأصغر في عائلة من ثلاث بنات ووالدتهن رسامة الخرائط. تقرر الوالدة، مع تكدّس الفواتير بعد وفاة زوجها، العودة بعائلتها إلى حيث وُلِد والداها، أي إلى سوريا. وبينما تعارض ابنتاها الأكبر، زهرة وهدى، قرارَ الانتقال بسبب الحرب الأهلية، تؤكّد لهما أن وجهتهن، حمص، بعيدة عن الاحتجاجات وأنهن سيكن بخير.
 

الغلاف الإنكليزي لكتاب "خريطة الملح والنجوم" للكاتبة السورية الأمريكية جينيفر زينب جوخدار.  (published by Simon and Schuster)
من خلال الاستدلال بحكايا القرن الثاني عشر لرسام الخرائط الإدريسي: تذكّر القصة لا يعيد لها ذكريات والدها وصوته فحسب، بل يساعدها ذلك أيضاً على تتبّع موقعهم هي وعائلتها في رحلتهم. وفي حين أن المدن قد تغيّرت، فإن الجغرافيا لا تزال هي ذاتها. فتتقافز متعتها بإيجاد أمور تتعرف عليها في أماكن لم تكن فيها من قبل من الصفحات إلى القراء.
وكما يعرف الآن العالم بأسره، تبيّن أنه لا وجود لمكان بخير في سوريا. فبعد ثلاثة أشهر من وصول العائلة إلى سوريا، يمتدُّ القتال إلى المدينة، ليتدمر منزلهم بقذيفة وتُصاب الشقيقة الكُبرى. عندئذ تُجبرُ العائلة مع أبو سعيد، شقيقهن، المُتبنّى من قِبَل أبيهن المتوفّى، على الفرار والسفر إلى دمشق في محاولة للحصول على مساعدة طبية لهدى.
 
ورغم أن الأمر صعب بما فيه الكفاية، إلا أنه مجرد بداية رحلتهم. فكما تروي نور، تسافر العائلة عبر طريق يقتفي مساراً من سوريا عبر الأردن ومن ثم إلى شمال إفريقيا لكي تتمكن العائلة من الوصول إلى وجهتها "سبتة"، وهي مدينة إسبانية [تعتبرها المغرب مدينة مُحتلة] صغيرة تتمتع بحكم ذاتي ومتاخمة للمغرب. كل شخص قد قرأ أي شيء عن مشاق اللاجئين الساعين للوصول إلى الأمان سيملك تلميحاً لما يمكن لهذه العائلة أن تواجهه.
 
إلا أنه مهما كان خيالك واسعاً، دائماً ما يكون الواقع أسوأ بكثير مما تعتقد. وهذا يمثّل حاجزاً يكاد لا يُقهر لأي كاتب يحاول نقل تجارب اللاجئين. بيد أن جوخدار حققت نجاحاً مبهراً بروايتها، إذ عثرت على وسيلتين، بدلاً من واحدة، لتوسيع تجربة القارئ، لتساعدنا على التعمّق في القصة خلال ذلك.
 
صور سحرية حسية متزامنة
 
قبل كل شيء، فإن بطلتها الشابة (في حين أننا لا نُعطى عمرها مطلقاً، فإننا نعرف أنها على حافة المراهقة إذ أنها تختبر أول دورة شهرية لها خلال الرحلة) لديها قدرة نادرة على الحس المتزامن، أي أن تحفيز مستقبل حسي واحد يؤدي بشكل تلقائي ولا إرادي إلى تفعيل آخر.
 
ففي حالة نور تجتذب الروائحُ والأصواتُ الألوانَ، حتى صوت الحرف الذي يُنطق مرتبط بلون معين في عقلها.
 
وهذا يسمح للمؤلفة بتضمين بعض الصور المذهلة للقارئ ليبتهج بها، إذ يتحول نباح كلب إلى مخروط بنفسجي من الصوت في ليلة حالكة. لسوء حظ نورا، فإن هذه القدرة مرتبطة بالذاكرة، مما يعني أنه لا يمكنها نسيان الصوت أو الألوان المرتبطة إما بصوت ضحكة أو صوت قنبلة تنفجر.
 
وتقوم جوخدار بعمل رائع وهي تُظهِر لنا أن هذا لعنة وبركة لنور على حد سواء. يستطيع القارئ تقدير الجيد والسيء في هذه القدرة، في عملية تشهد كل من أعماق حزنها وقمة سعادتها.
 
ذكريات عميقة
 
 
إن ذاكرة نور هي المسؤولة عن الوسيلة الثانية التي تستخدمها جوخدار لنشعر بتقدير أعمق لما تشهده هذه العائلة. فهي تتشبث بذكرياتها عن صوت والدها وهو يروي حكايات وأساطير عن ماضي سوريا. أما قصتها المفضلة فهي حول شابة، راوية، في القرن الثاني عشر تسافر مع رسام الخرائط الإدريسي، وهو الرجل الذي وضع خريطة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للملك روجر، ملك الفرنجة في صقلية.
 
أما في أوقات المحنة الشديدة تعود نور إلى هذه القصة بوصفها سلواناً وإلهاماً. فتذكّر القصة لا يعيد لها ذكريات والدها وصوته فحسب، بل يساعدها ذلك أيضاً على تتبّع موقعهم هي وعائلتها في رحلتهم. لأن، ورغم أن راوية والعديد مما جرى في رحلتها هو خيالي، الإدريسي كان حقيقياً جداً ورسم خريطة الأراضي التي تسافر عبرها نور وعائلتها.
وفي حين أن المدن قد تغيّرت، فإن الجغرافيا لا تزال هي ذاتها. لذلك، وفي أوقات مختلفة من نزوحهم تستطيع نور إخبار عائلتها بمكانهم من خلال المعالم الرئيسية التي تتعرف عليها من القصة. فتتقافز متعتها بإيجاد أمور تتعرف عليها في أماكن لم تكن فيها من قبل من الصفحات إلى القراء. كما أن هذا يمدّها بالشجاعة والقوة لتدرك أنها تملك القدرة على إيجاد الطريق الصحيح لتوصلهم إلى بر الأمان.
 
 
هناك العديد من الأشياء التي كُتِبت وقيلت عن اللاجئين السوريين، ولكن القليل منها تمكّن من إضفاء الطابع الإنساني على ظروفهم بحساسية كهذه مثلما فعلت جوخدار. فنحن نهتم للأسرة منذ البداية وهذه المشاعر لا تزداد إلا شدّة بينما تتقدّم القصة. فعبر رؤية العالم من خلال عيون الابنة الصغرى وقدرتها على التبادل الحسي، لا نراه فقط في الحالة غير المنقاة لطفل، بل نختبره بإدراك حسي متزايد.
 
وفي بعض الأوقات، كما هو الحال بالنسبة لنور، فإنها تجعل القصة مثقلة تقريباً في كثافتها العاطفية. بيد أن جوخدار تعرف اللحظة المناسبة تماماً للتراجع وإبقاء الأحداث قابلة للتصديق وضمان أنه لا نور ولا نحن سنتخلى عن الأمل. إذ أن أفعوانية العواطف التي تخضع لها نور والقارئ خلال مسار الكتاب هي ما تجعل القصة مؤثرة جداً. وعبر القدرة على نقل الحالة الذهنية لنور بطريقة فعالة جداً، تجعل جوخدار تجاربها أكثر حيوية للقارئ.
 
وفي حين أنه يستحيل لأي كاتب أن يعيد بصدق خلق جميع الاضطرابات العاطفية التي يشعر بها الناس في رحلة كهذه، فإن "خريطة الملح والنجوم" أقرب ما يمكن إلى الكمال كما ستجدون.
 
 
 
ريتشارد ماركوس
ترجمة: يسرى مرعي
حقوق النشر: موقع قنطرة 2018
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.