شعور "بعدم الانتماء" والقرب من الجنون

أسلوب ديمة ونوس الروائي رصين وفي كثير من الأحيان دقيق بشكل مؤلم عندما يتعلق الأمر بوصف تفاصيل المعاناة البشرية. لا تحمل الرواية في أي موضع منها وعودًا بالأمل في حياة خالية من الخوف. أبطالها يشعرون أنَّهم من دون وطن، ويعانون من الشعور "بعدم الانتماء" وكثيرًا ما يكونون قريبين من الجنون.

تقول سليمة عن طفولتها: "لا أستطيع أن أتذكَّر أي شيء آخر سوى الخوف". حتى عندما كان عمرها أربعة عشر عامًا، كانت كثيرًا ما تبكي طيلة أيَّام، بعدما فقدت والدها الذي مات بسبب السرطان. ومع مثل هذه النظرة الراديكالية القاسية إلى الحياة الداخلية لأبطال الرواية، يتبادر بطبيعة الحال السؤال حول مدى تأثُّر أحداث الرواية بالسيرة الذاتية.

في مهرجان الأدب العالمي لعام 2018 في برلين، شدَّدت ديمة ونوس على الجزء الخيالي من روايتها. وقالت إنَّها ككاتبة تستخدم خيالها للاقتراب من شخصيات الرواية بقدر الإمكان، حتى وإن كانت هناك تركيبات معيَّنة مستمدة من حياتها الخاصة.

مواجهتها مع أبيها

وهكذا فإنَّ العلاقة الوثيقة بين الابنة وأبيها تعتمد على قصة ديمة ونوس الخاصة (لقد كان والدها واحدًا من أهم الكتاب المسرحيين الحديثين في سوريا)، ومع ذلك فإنَّ هذه العلاقة الوثيقة والمواجهة مع الأب تعتبر -بحسب تعبيرها- شيئًا عاديًا وقد ساعدتها الذكريات أكثر في تشكيل شخصيات روايتها.

وفي المقابل ترفض ديمة ونوس بوضوح أي افتراض آخر، وتقول: إنَّها لم تكن تنوي بروايتها إصدار بيان سياسي سطحي وهي لا ترى نفسها كمؤلفة ملتزمة وكاتبة تكتب "أدب البيانات". وتضيف أنَّ تصويرها للواقع السوري واقعي ويخدمها أيضًا في نقل الواقع الفظيع السائد في وطنها على شكل أدب ("وحتى إلى ألمانيا")، ولكن أهم شيء بالنسبة لها هو فردية الأشخاص الذين تصوِّرهم، ما يجعل هؤلاء الأشخاص مرئيين في إصاباتهم وفي بيئة تبدو فيها جميع العلاقات البشرية قد تضرَّرت.

ديمة ونوس كاتبة وصحفية تلفزيونية سورية معروفة.  Foto: picture-alliance
ديمة ونوس كاتبة وصحفية تلفزيونية سورية معروفة. صدرت لها قبل روايتها "الخائفون" رواية "كرسي"، التي تحكي عن فترة ما قبل الثورة في سوريا، صدرت ترجمتها الألمانية في عام 2013 عن دار نشر إديتسيون ناوتيلوس. وهي تعيش حاليا (2018) في بيروت.

ومع ذلك يصبح الجانب السياسي في الرواية ملموسًا أكثر في مقاطع لاحقة، وحتى في ما يتعلق بالوحشية الكامنة في الحاضر السوري. وهكذا نعلم أنَّ نسيم قضى ثلاثين يومًا في سجن للتعذيب (في قسم يوصف بسخرية بأنَّه "قسم الموت والجنون")، ونفهم بشكل أفضل لماذا يعاني من اضطراباته ومخاوفه. وحتى المعالج النفسي كميل، الذي يعمل في بعض الأحيان كمهدئ في النصّ، يفقد قوَّته عند نهاية الرواية ويتحوَّل إلى شخص منهك وعاجز.

نادرًا ما تتحدَّث بوضوح شديد روايةٌ بمثل هذا المستوى الأدبي العالي حول اليأس العاري، وتصوِّر بقوة الانقسام الذي يبدو أنَّه غير قابل للاصلاح في المجتمع مثلما يفعل نصّ هذه الرواية المثيرة جدًا للقلق.

 

 

 

 
فولكر كامينسكي
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2018

 

رواية ديمة ونوس: "الخائفون"، صدرت نسختها الألمانية عن دار نشر بليسينغ، عام 2018، في 256 صفحة، (الترجمة إلى الألمانية: لاريسا بندر)، تحت رقم الإيداع:

ISBN: 9783896676276

 

 
 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.