الكاتب اللبناني ربيع علم الدين.

رواية ربيع علم الدين: "النهاية الخاطئة للتلسكوب"
نحن جميعا نبحث عن وطن

كاتب لبناني تدخلنا روايته إلى حياةِ شخصيةٍ في غاية التعقيد والإقناع والواقعية لنرى عبر عينيها واقع اللاجئين بجزيرة ليسبوس اليونانية كما لم نره من قبل. ريتشارد ماركوس قرأ الكتاب لموقع قنطرة.

يأخذ ربيع علم الدين، من خلال كتابه، القارئ إلى داخل مأساة مخيمات اللاجئين في جزيرة ليسبوس. ولكنها أكثر من مجرد رحلة أخرى إلى الحزن والكآبة، بحُكم أن من تقودها طبيبة متحوّلة الجنس. مينا سيمبسون لبنانية أميركية، ظاهرياً، تركت وطنها من أجل إتمام الدراسة، لكن أيضاً هرباً من عائلتها. وتبدأ الرواية بوصول مينا إلى جزيرة ليسبوس بعد أن تلقت دعوة عاجلة من صديق: توجد حاجة ماسة إلى الأطباء في الجزيرة من أجل المساعدة نظرا لتدفق اللاجئين. ظاهرياً أتت للمساعدة، لكنها هنا أيضاً من أجل سبب آخر. فهذه الصخرة في بحر إيجه، هي أقرب مكان إلى موطنها الأصلي، لبنان، تواجدت فيه منذ أن غادرته لتلتحق بالجامعة في الولايات المتحدة الأميركية.

لا القارئ ولا مينا على يقين مما ستواجهه في جزيرة ليسبوس. سمع الجميع عن أشخاص ترميهم الأمواج على شواطئ الجزيرة وكيف أصبحت محطة على الطريق المتعرّج الطويل للاجئين الباحثين عن مأوى في عالم صعب. لكن انطباعات الرعب هذه التي لا شكل واضح لها لا تروي القصة كاملة، بل إنها، في الحقيقة، تجرّد الوضع من إنسانيته على نحو ما. ومن خلال إدخالنا إلى حياة مينا ومن ثم إتاحة رؤية ليسبوس عبر عينيها، تدبُّ الحياة في واقع مخيم اللاجئين بطريقة لا يمكن لأي مقال صحفي تحقيقها.

جسر تعاطف

ربما هناك شيء ما يتعلّق بقصتها وحكايا الشخصيات الأخرى التي تُعرِّفنا بها مينا خارج مخيم اللاجئين، والتي على الرغم من أنه لا يمكن مقارنتها بما يشهدونه في جزيرة ليسبوس، إلا أنّها مماثلة بما فيه الكفاية لوضع المهاجرين بحيث أنّهم يشكّلون جسر تعاطف للقرّاء. ومينا ورفاقها هم جميعاً أناس يبحثون عن وطن، سواء مجازياً أو فعلياً، وإن كان ليس إلى درجة أولئك الذين يشرعون في رحلات خطرة في قوارب غير آمنة. فأسباب نزوحهم إما الابتعاد عن عائلاتهم، أو مثل أولئك القادمين من سوريا، الفرار من عدم الاستقرار المستمر في لبنان.

الغلاف الإنكليزي لرواية الكاتب اللبناني ربيع علم الدين  "النهاية الخاطئة للتلسكوب". Cover of Rabih Alameddine's "The Wrong End of the Telescope" (published by Atlantic Grove)
لم يستدعِ ربيع علم الدين مثل بطلة هذه القصة "مينا" منذ صدور قصة شخصية "عالية" -بطلة روايته "امرأة لا لزوم لها"- لتقودنا إلى أحد أكثر النزاعات المؤلمة في هذا الزمن. ومن خلال نسجه ببراعة لقصص لاجئين آخرين مع قصة مينا، تشكّل روايته "النهاية الخاطئة للتلسكوب" نسيجاً مبهراً لكل من الصور المأساوية والمسلية لأرواح لا تُقهرُ تواجه أزمة إنسانية.

وتُصوَّرُ جزيرة ليسبوس بوصفها مكاناً تلتقي فيه الطرق، حيث يجتمع الناس من جميع الأمم سعياً وراء شيء ما. وفي حين أنه من الواضح لماذا يخاطر اللاجئون بكل شيء من أجل الوصول إلى هنا، تصبح الإجابات أقل وضوحاً حين يتعلّق الأمر بالآخرين.

أولاً، هناك السائحون اللاجئون. أولئك المتطوعون الذين يسافرون إلى جزيرة ليسبوس والمخيمات بذريعة رغبتهم في المساعدة، فقط لالتقاط صور السيلفي على الشاطئ بينما يترنّح الناس على الساحل. هل هم هناك فقط من أجل تلبية غرورهم علانية، ليُظهِروا للعالم ولمتابعيهم على الانستغرام كم هم نبلاء وعلى استعداد للتضحية بأنفسهم؟

ومينا أيضاً ليست متأكدة تماماً من دوافع وجودها في ليسبوس. بالتأكيد هناك حاجة إلى الأطباء، ولكن إن كان هذا سبب تواجدها هنا فلماذا إذاً رتبت للقاء أخيها أيضاً؟

لم يرَ بعضهما البعض منذ أن غادرت لبنان، لكن هناك المزيد. فهو الوحيد من عائلتها الذي سمح لها بالعودة إلى حياته بعد أن تبرأ منها الجميع. كما أنه رابطها الوحيد بموطنها الأصلي.

محفّز لمواجهة الماضي

وحين تلتقي مينا بسمية وعائلتها، تتضاءل مشاكلها. وسمية هاربة من أهوال سوريا، فقد أراد أحد قادة تنظيم داعش الزواج من ابنتهما التي تبلغ من العمر 11 عاماً، تحت ضغط شديد.

كما أنها مصابة بسرطان كبد عضال وتشكو من ألم مستمر. وبحلول الوقت الذي وصلت فيه سمية وعائلتها إلى جزيرة ليسبوس، لم يكن باستطاعة مينا تقديم شيء لها عدا عن تخفيف آلامها. وقد كانت كرامتها في مواجهة المعاناة التي لا يمكن تصوّرها واستقلالها الشديد بمثابة محفّز لمينا ولرفاقها لمواجهة ماضيهم.

تروي مينا عن الوقت الذي نشأت فيه في لبنان قبل أن تتمكن من التحوّل جنسياً، أو حتى قبل أن تكون مثليةً، بينما كانت والدتها تتهمها بالفعل بأنّها عار على عائلتها. ولم تتصالح حتى الآن مع هذا الرفض بشكل كامل، بيد أنّ لم شملها مع أخيها ومشاهدتها لتفاني سمية لعائلتها يجعلان العواطف والذكريات تجتاحها من جديد.

وفي أسلوب سردي مثير للاهتمام، يدفع علم الدين مينا لربط أحداث القصة كما لو أنها تخبرها لشخص آخر غير معروف، لكاتب. ومثل علم الدين، فإنّ الكاتب لبناني ومن الممكن ببساطة أن يكون مؤلف الكتاب ذاته. ولو كانت كاثوليكية لكنا اسمينا كاتم الأسرار هذا: كاهن اعترافها - فهي تخبره بأمور لم تخبرها لأي شخص على الإطلاق، بينما تروي قصته في الوقت ذاته. في البداية، نعتقد أنهما صديقان مقربان، لكن يتّضح أنهما كانا مجرد معارف قبل أن يلتقيا في جزيرة ليسبوس. فهو هناك يجري مقابلات مع اللاجئين سعياً للكتابة عنهم، لكنه يفشل فشلاً ذريعاً. وكل ما يريده الاختباء بعيداً.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة