رواية "زبور أو المزامير" للجزائري كمال داود

نهاية السلطة الأبوية في الجزائر

يروي الكاتب النجم كمال داود في روايته "زبور أو المزامير" قصة الشاب الغريب إسماعيل الذي يكتشف كتابة الشعر كوسيلة للنجاة. ويعتبر اللغة الفرنسية مهرباً من قيود التقاليد. الناقد والكاتب الألماني شتيفان فايدنَر يكتب لموقع قنطرة أن في هذه الرواية تشابها مع وضع الجزائر بعد سقوط بوتفليقة.

مع روايته الأولى وتصريحاته الناقدة للإسلام حول أعمال التحرُّش والشغب التي وقعت في ليلة رأس سنة 2016 في مدينة كولونيا الألمانية، ارتقى الكاتب والصحفي الجزائري كمال داود، المولود في عام 1970، بين عشيّة وضحاها إلى مثقَّف نجم مشهور عالميًا.

لكن قبل فترة طويلة من ظهور روايته الأولى في عام 2013، كان قد صنع لنفسه اسمًا من خلال المقالات الافتتاحية في صحيفة "لوكوتيديان دوران" (يومية وهران)، وهي الجريدة اليومية لمدينة وهران الساحلية الواقعة في غرب الجزائر. يعرف محبُّو ألبير كامو مدينة وهران كموقع تدور فيه أحداث روايته "الطاعون" وقد اعتمد كمال داود في روايتة الأولى الناجحة "مورسو، تحقيق مضاد" بالتحديد على رواية ألبير كامو - المولود في الجزائر - وعمله الأكثر شهرة رواية "الغريب".

يروي كمال داود قصة العربي الذي قتله "الغريب"، مورسو، عن طريق الخطأ. على الرغم من أنَّ مورسو يَمْثُل لهذا السبب أمام المحكمة، لكن لا تتم إدانته بتهمة قتل العربي (هذه مسألة تافهة من وجهة نظر الحكَّام المستعمرين)، بل بسبب عدم قدرته على الربط وانعدام حبّ الأم. وفي الواقع لأنَّه غريب (منطو على نفسه) في مجتمعه.

 

Romancover Kamel Daouds „Zobor“. Foto  Verlag Kiepenheuer & Witsch
رواية ترمز للمجتمع الجزائري المعاصر: نجح الكاتب الجزائري كمال داود في كتابة رواية معبِّرة وقوية حول الوطن والأسرة، وحول سلطة الدين وكذلك حول محبة الأدب الكبيرة، التي يمكن أن تكون كلَّ شيء - سواء وسيلة للقمع أو حتى وسيلة للتحرُّر.

تلعب نسخة رواية كمال داود بالتغيير في المنظور بعد حقبة الاستعمار وتروي القصة نفسها من وجهة نظر جزائرية. ومغزاها: الراوي الجزائري أيضًا هو غريب في مجتمعه، ومدمن كحول يكره أمَّه ويصبح بدوره قاتلًا عن طريق الخطأ. قد يتحارب الجزائريون والفرنسيون ويحتقرون بعضهم: لكن يمكنهم كأفراد أن يكونوا على مستوى أعلى، في الوجودية، إخوة في الروح عندما يقاومون ضغط التوافق في مجتمعاتهم.

الكتابة لمواجهة الموت

وإسماعيل، الراوي في رواية كمال داود الثانية "زبور أو المزامير"، هو أيضًا غريب ومرفوض في قريته. وبما أنَّ أمه ماتت أثناء ولادته وصار لدى أبيه أسرة جديدة، فهو يعيش مع عمَّته غير المتزوِّجة هاجر. أبوه هو تاجر مواشي ثريي  وجزَّار هاوٍ، ويُعَدُّ من آباء القرية، ولا عجب من أنَّ اسمه إبراهيم. ففي الكتاب المقدس وكذلك بحسب التقاليد الإسلامية، ينبذ إبراهيم خادمته هاجر وابنهما المشترك إسماعيل.

إنَّ هذا الاستناد إلى قصص توراتية وقرآنية يعتبر أمرًا مفاجئًا من مؤلف معروف بانتقاداته للدين. ولكن حتى في رواية "مورسو، تحقيق مضاد" كان اسم الراوي هارون وشقيقه العربي الذي قُتِلَ من قِبَل مورسو كان اسمه موسى. إذا كان الكاتب كمال داود ناقدًا للدين، فهو مرتبط بالدين بشكل أعمق من معظم خصومه. ولكن حول هذا الارتباط - وكذلك التحرُّر منه - تتحدَّث رواية "زبور أو المزامير".

 

{في نهاية رواية كمال داود "زبور أو المزامير" يموت الأب وتموت معه أيضًا السلطة الأبوية.}
 

رواية "زبور أو المزامير" هي نوع من السيرة الذاتية، ولكنها فقط مبالغ فيها من الناحية الرمزية وملتزمة تمامًا بالعالم الداخلي لخيال الكاتب. ومع ذلك يوجد هنا أيضًا ميثاق السيرة الذاتية الشهير، أي تلك اللحظة في الكتاب، التي يلتقي فيها البطل والمؤلف: عنوان الرواية "زبور" هو التعبير العربي لكلمة "مزامير" كما أنَّ مؤلف كتاب المزامير التوراتية هو الملك (النبي) داود، واسمه مثل اسم المؤلف كمال داود. الشعر والخيال في هذه الرواية أكثر أهمية من التاريخ. عندما يستسلم القارئ لذلك أثناء القراءة، فعندئذ تتم مكافأته بثراء.

الأب إبراهيم مريض في فراش الموت وابنه إسماعيل بات يتصوَّر أنَّ كتابته يمكن أن تُطيل الحياة. الحبر هو الدم وطالما أنَّه يتدفَّق على الورقة فإنَّ الدم يبقى في النهر، وحتى في كلِّ الوجود. ولكن بحسب التصوُّرات الإسلامية التقليدية يعتبر في المقابل كلُّ شيء مقدَّرًا ومكتوبًا منذ الأزل: "لقد رُفِعَتْ الأقلام وجَفَّتْ الصحف"، مثلما يرد لدى فقيه إسلامي قديم.

وإسماعيل يريد من خلال كتابته أن يقلب هذه العملية رأسًا على عقب. وبما أنَّه ينافس الله، فإنَّ هذا أمر سيِّء للغاية! وبما أنَّ الكلمة الأولى الموجَّهة إلى النبي محمد كانت "اقرأ"، فإنَّ إسماعيل يتساءل: "لماذا لم تكن الكلمة الأولى من الملاك (جبرائيل) هي’اُكتب‘؟".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.