التحرُّر بواسطة لغة المستعمرين الفرنسيين

وبطبيعة الحال فإنَّ اللغة التي يتوقَّف عليها البقاء على قيد الحياة ليست اللغة العربية العريقة، التي تعلَّمها إسماعيل في المدرسة القرآنية. وبقدر ما هي مشحونة بتصوُّرات سحرية وما لديها من قدرة ساحرة خاصة بها -يتم نقلها بمصداقية من قِبَل كمال داود في العديد من أوصافه الشعرية- فإنَّ هذا الشاب لا ينجح في الاستفادة من هذه اللغة القديمة وإحيائها مرة أخرى. وهنا يكتشف على غلاف رواية بوليسية فرنسية (صورة) امرأة جميلة ويتعيَّن عليه أن يقرأ هذه الرواية، على الرغم من أنَّه لم يتعلم الفرنسية بالشكل الصحيح.

وفي الحقيقة هذا هو الفرق الكبير بين كمال داود ومعظم الكتَّاب المغاربيين الذين يكتبون باللغة الفرنسية: فهو لم ينشأ مع اللغة الفرنسية، بل اضطر إلى تعلُّمها كلغة أجنبية. وبالتالي فإنَّ استخدام اللغة الاستعمارية السابقة لا يرتبط بالنسبة له -مثلما هي الحال مثلًا مع آسيا جبار وغيرها- بالحزن على عدم توفُّر اللغة العربية له كلغة أدبية. والمفارقة أنَّ اللغة الفرنسية ترمز هنا للتحرُّر بالذات.

ولكن كيف يمكن للمرء أن يُعَلِّم نفسه لغةً من دون وسائل مساعدة ومعلِّمين في قرية متخلِّفة تقع في منطقة نائية في عمق الجزائر؟ بقوة الخيال الجنسي! "لقد كان كافيًا أن يقرأ أكثر ويستمر في التقدُّم في فهم الكلمات لكي يلمس الجسد بشكل أكثر حميمية وليشعر ليس فقط بصورة الجسد، بل حتى بالعاطفة!".

 

خرج الجزائريون إلى الشوارع من أجل الاحتجاج ضدَّ قيادة الدولة.  Foto: Getty Images/AFP
خرج الجزائريون إلى الشوارع من أجل الاحتجاج ضدَّ قيادة الدولة. صحيح أنَّ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي حكم الجزائر لفترة طويلة، قد استقال، ومع ذلك، فإنَّ الجزائريين يطالبون بإصلاحات ديمقراطية.

 

{مغزى رواية كمال داود "زبور أو المزامير" أن الراوي الجزائري أيضًا هو غريب في مجتمعه. - كما يكتب الناقد والكاتب الألماني شتيفان فايدنَر}

 

إسماعيل يتصوَّر نفسه كَـ "روبنسون كروزو" اللغة، الذي يُجَمِّع لنفسه على جزيرته المنعزلة المعاني من كلمة حطام السفينة الجانحة. ما يخرج من ذلك يبدو من الخارج فقط مثل الفرنسية العادية. أمَّا من الداخل فتملؤه روحٌ تنحدر مباشرة من الفهم اللغوي الساحر للغة العربية القرآنية: "بين حرف العطف والميتافيزيقيا يوجد ارتباط. [...] الكتابة والسرد هما الوسيلة الوحيدة من أجل العودة بالوقت ولقائه واستعادته أو السيطرة عليه".

يصل الراوي إلى معرفة مفادها: بمجرَّد أن يتم نقل سحر اللغة، يمكن للغة الفرنسية أن تقوم بهذه المهمة على نحو أفضل من العربية. وعلى الرغم من ذلك فإنَّ الأب يموت في النهاية وتموت معه أيضًا السلطة الأبوية. إن كان المجتمع المتحجِّر في التقاليد لم يعد يمتلك لغة لما يعاني منه وما يجعله غير حرّ، فقد أصبحت الفرنسية بالنسبة لإسماعيل، وهو الاسم المستعار للكاتب كمال داود، وسيلة للتعبير عن ذلك. وهذا بحدّ ذاته أمر ساحر بما يكفي!

في ربيع عام 2019، الذي أجبر خلاله الجزائريون باحتجاجاتهم الرئيس العجوز صاحب السلطة الأبوية عبد العزيز بوتفليقة على الاستقالة، من الممكن أن تخطر ببالنا فكرة أنَّ جميع الجزائريين قد مرّوا بتجارب تشبه تجربة كمال داود. وبطبيعة الحال لقد طُلب منه أن يشارك على المستوى السياسي أيضًا في هذه المرحلة الانتقالية. وبحسب تصريحاته فقد قرَّر في الوقت الحاضر رفض ذلك. ولكن لماذا؟ إذا كان التحرُّر يبدأ من اللغة فإنَّ كمال داود قد وضع مع هذه الرواية المهووسة باللغة والمحتفلة باللغة (الفرنسية) مفاتيح التحرُّر في يدِّ جميع القرَّاء.

 

 

شتيفان فايدنَر 
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019
 
رواية كمال داود، "زبور أو المزامير"، صدرت ترجمتها الألمانية عن دار نشر كيبِنهُويَر وفيتش، سنة 2019، في 384 صفحة.
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.