رواية "صغار ديسمبر" - قلبوا "الجزائر" رأسا على عقب

قطيعة بين الأجيال في الجزائر

رواية صدرت نسختها الأصلية قبل اندلاع الحراك السلمي في الجزائر. كوثر عظيمي كاتبة جزائرية شابة نشأت في الجزائر وتعيش في باريس منذ عام 2009 تروي بأسلوب يقترب من استشراف المستقبل قصة انتفاضة نَفَرٍ من الأطفال ضد نظام سياسي متحجِّر في وطنهم الجزائر. الناقدة الأدبية الألمانية كلاوديا كراماتشيك قرأت روايتها لموقع قنطرة.

يعرف مَنْ زار مدينة الجزائر في شهر شباط/فبراير أنَّ هذه "المدينة البيضاء" تغرق في هذا الوقت من العام ليس فقط في سيول الأمطار والوحل، التي تجري من الأحياء المرتفعة وتغمر مدينة الجزائر كلها. في هذا الوقت من العام أيضًا، تغرق مدينة الجزائر في تشاؤم كئيب يوحي بنهاية الزمن، لأنَّ سكَّانها يشاهدون مرة أخرى أمام أعينهم -وبصورة مثيرة- مدى قلة اهتمام الدولة بمصالحهم وراحتهم.

وحتى كوثر عظيمي -نجمة الأدب الجزائري الصاعدة، التي كتبت عنها صحيفة لو فيغارو الفرنسية بحماس أنَّها تحمل "رياح الحرية إلى الأدب"- بدأت روايتها الأحدث "صغار ديسمبر" بمشهد في الجزائر العاصمة خلال شهر شباط/فبراير كثير الأمطار. وذلك في عام 2016؛ أهالي حيّ 11 ديسمبر -وهو منطقة سكنية صغيرة تابعة لضاحية دالي إبراهيم في الجزائر العاصمة ومسرح أحداث الرواية- يتذمَّرون ويشتمون بهدوء بسبب المطر.

ولكنْ هناك ثلاثة أطفالٌ -صَبِيَّان وفتاة- فرحون: فأخيرًا أصبح ملعب كرة القدم الصغير القديم -الواقع على قطعة أرض بوسط الحيّ يملكها أفرادٌ من الجيش- لهم وحدهم وليس للشباب الأكبر سنًا. تقف في حراسة المرمى -مثلما تفعل دائمًا- إيناس ذات الأحد عشر عامًا، وهي ابنة لأم تقوم على تربيتها بمفردها وحفيدة مجاهدة قديمة من مجاهدي حرب الاستقلال معروفة خارج حدود الجزائر العاصمة.

وتمسك إيناس -مثلما تفعل دائمًا- جميع كرات صديقيها جميل ومهدي البالغين من العمر عشرة أعوام. يعود الثلاثة سعداء ومرهقين إلى منازلهم في مساء الثاني من شباط/ فبراير 2016. ولكن بعد يوم واحد، تنقلب الجزائر كلها رأسًا على عقب: إذ يظهر جنرالان في الأرض (ملعب كرة القدم الصغير) ويدَّعيان أنَّها ملكهما - ويتعرَّضان بشكل تلقائي للضرب والمطاردة من قِبَل مجموعة من الأطفال الغاضبين.

 

غلاف الترجمة الألمانية لرواية "صغار ديسمبر" للكاتبة الجزائرية الفرنسية كوثر عظيمي. Foto: (Lenos Verlag / Deutschlandradio)
الثورة الجزائرية في الأمس واليوم: تصف المترجمة ريغينا كايل-سَغافه في خاتمها بشكل مثير للإعجاب كيف تدقّ كوثر عظيمي على وتر العصر بروايتها: "2019 هو عام حركة المناخ العالمية ’أيَّام الجمعة من أجل المستقبل‘. ولكنه أيضًا عام احتجاج الشباب الجزائري السلمي - الحراك الذي يُعتبر بمثابة النسخة الجزائرية من حركة ’أيَّام الجمعة من أجل المستقبل‘، التي تناضل من أجل تغيير المناخ السياسي وبداية جديدة ديمقراطية جذرية في الجزائر…".

 

قصة خيالية تستند إلى حدث حقيقي

وبطبيعة الحال فإنَّ ما فعله الأطفال يعتبر أمرًا فظيعًا في الجزائر ما بعد الاستعمار. وهو في الرواية بمثابة الشرارة التي أشعلت انتفاضة ضدَّ نظام سياسي جامد عفا عليه الزمن في هذا البلد، تتولى قيادتها بالذات إيناس ذات الأحد عشر عامًا. في البداية يبدو هذا أجمل من أن يكون واقعيًّا: فتاةٌ صغيرة تلعب كرة القدم تتمكَّن خلال فترة قصيرة وفي الجزائر الذكورية من تحقيق ما كان يحلم به جيلُ الآباء منذ عقود من الزمن.

وكوثر عظيمي، التي وُلِدَت عام 1986 ونشأت هي نفسها في دالي إبراهيم، كتبت روايتها بالاستناد إلى قصة واقعية. ففي عام 2016 عادت هي -المقيمة في باريس منذ عام 2009- مرة أخرى إلى مسقط رأسها، وعثرت على خبر في إحدى الصحف يفيد بأنَّ صغارًا قد اشتبكوا مع جنرالين رفيعي المستوى كانا يريدان شراء ملعب كرة القدم بحي 11 ديسمبر وبناء فيلتين لهما هناك.

تُقدِّم كوثر عظيمي في روايتها انطلاقًا من قصة معركة الصغار من أجل ملعبهم، الذي يرمز للجزائر كلها والسؤال حول من يملك هذه الجزائر في الواقع، صورةً دقيقة جدًا ومتعدِّدة الأوجه عن الجزائر: حكم اللصوص (حُكم القادة الفاسدين: الكليبتوقراطية) والفساد والمحسوبية وسلطة العسكريين العليا وفشل الأحلام بجزائر حرة ومُوَحَّدة في الواقع - كلُّ هذا يجد مكانه تقريبًا في هذه الرواية محبوكًا في حلقات صغيرة وخيوط فرعية.

الكتابة لمواجهة النسيان والسكوت

قد يقع القارئ في خطر اعتبار "صغار ديسمبر" رواية سطحية أو حتى مقبولة، وذلك بسبب العفوية، التي تلمس بها كوثر عظيمي جذور البلاء في الجزائر. غير أنَّ هذه الرواية تغلي تحت سطحها الجذَّاب، لأنَّ كوثر عظيمي تكشف أيضًا من خلال شخصيَّاتها عن تاريخ الجزائر الطويل الدموي والمليء بالضحايا منذ الاستقلال.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة