برضا سينمائي عن النفس وفي الوقت نفسه بقدر كبير من التعاطف، يأخذ أبطالُ رواية أليس زنيتر القرَّاءَ من أيديهم ويقودوهم إلى داخل الحياة القروية السابقة (قبل الاستقلال) في منطقة القبائل. نسافر سويةً مع نعيمة عائدين بالتحديد إلى الماضي ونتبع عَلِيًّا الذي كان لا يزال شابًا في تلك الأيَّام ويبحث للتو عن زوجة ستمنحه ابنًا، ومن ثم يصبح أبًا قلقًا بشأن المصاعب التي تظهر في مطلع خمسينيات القرن العشرين.

ويقرِّر الانحياز ضدَّ الإرهاب وينخرط في خدمة الفرنسيين ويأمل على هذا النحو ضمان مستقبل أطفاله. هؤلاء الأطفال بالذات كانوا في تلك الفترة يلعبون ويمرحون هنا وهناك في القرية من دون أن يهتموا بأي شيء حتى ذلك الحين. وبعد سنوات يلعب هؤلاء الأطفال مرة أخرى في الرواية: فقد وصلوا - مثل كثيرين غيرهم - للتو إلى فرنسا مع آبائهم، إلى معسكرات الترانزيت المزدحمة التي بناها الفرنسيون للحركيين، من دون أن يدركوا أنَّ هذه البداية من الممكن أن تكون نهايةً أيضًا.

 

 

حالة تمزُّق بين الثقافات والأجيال

هرب عليٌ أيضًا من الجزائر في عام 1962 مع ابنه الأكبر حميد عبر البحر الأبيض المتوسِّط ​​إلى فرنسا. وقد اضطر هو وحميد إلى قضاء عامين في هذا المعسكر المحدَّد لهما، في ظلِّ ظروف مهينة وفي فقر وعوز وريبة وشكّ.

يستمر العنف الذي يهدِّد حياته في الجزائر هنا أيضًا على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسِّط، ولكن في ظروف مختلفة: فبينما كان عليٌّ يخاف في الجزائر من التعرُّض للقتل لأنَّه شخصٌّ حركيّ، بات يُعذِّبه الآن في فرنسا التهميش العقلي والعاطفي. أمَّا زوجته "يما" وبقية أطفاله فيتبعونه في وقت لاحق. ومنذ هذه اللحظة تصبح الأسرة مُمَزَّقة بين الثقافات، وممزَّقة بين الوطن القديم والجديد.

وحالة التمزُّق هذه ستؤثِّر على الأسرة وتُقَسِّمها: وهي سبب للمخاوف والصدمات النفسية، لأزمات لا يتم التحدُّث عنها غير أنَّها تشتعل باستمرار، وخاصة بين الأجيال. إذ إنَّ عليًّا، على سبيل المثال، يبقى طيلة حياته يشعر بقلق الغرباء نحو اللغة الفرنسية - ولكن ابنه حميد في المقابل هو شخص ذكي وموهوب ويمتص بشغف الثقافة الفرنسية بكلِّ أنسجتها.

وبناءً على ذلك فإنَّ رواية "فنُّ الفقدان" هي أخيرًا وليس آخرًا ملحمة، تتناول تعقيدات الهجرة وعواقبها. ومن هذه الناحية فإنَّ الغضب والإحباط والطُرُق الشاقة والصعبة نحو الاندماج - وكذلك التمييز المستمر - هي أيضًا توجُّهات تحت السطح في رسالة الحبِّ هذه الموجَّهة في وقت لاحق إلى الأسرة.

رسالة موجَّهة لاحقًا إلى الأجداد والآباء - ونداء إلى فرنسا

وهذه الأسرة في الواقع - مثلها مثل العديد من الحركيين الآخرين السابقين - تم إخفاؤها في الأرشيفات. والكاتبة أليس زنيتر أعادتها من خلال رواية "فنُّ الفقدان" إلى النور وقد أشادت ببطولات الحركيين اليومية.

وهي لا تخفي التهميش الاجتماعي والعنصرية الهيكلية والنقص حتى يومنا هذا في اندماج الأشخاص، الذين جاؤوا ولا يزالون يأتون إلى فرنسا كمهاجرين جزائريين.

وبما أنَّ المؤلفة أليس زنيتر قد حصلت عن هذه الرواية على جوائز من بينها جائزة أكاديمية "غونكور" المرموقة، فإنَّ هذا يبعث الأمل من هذه الناحية في أن تواجه فرنسا وبشكل تدريجي هذا الفصل المزعج والقبيح من تاريخها.

 

 
 
كلاوديا كراماتشيك
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

أليس زنيتر: رواية "فنُّ الفقدان"، ترجمة هاينَر كوبَر، صدرت باللغة الألمانية عن دار نشر بيبر-فرلاغ في ميونخ، سنة 2019، في 560 صفحة، بغلاف فنِّي واقٍ، تحت رقم الإيداع:
ISBN: 9783827013736
 
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.