رواية "في السقوط تتعلم الريشة الطيران" - تجارب لجوء مؤثرة

انقلاع فتاتين عراقيتين عن جذور الوطن

تجارب لجوء مؤثرة بين سويسرا والعراق لشقيقتين شابتين ومحاولتهما التغلب على صدمة الحرب واللجوء من خلال الكتابة والتذكر - يصفها الكاتب العراقي أسامة الشحماني في روايته الثانية الصادرة بالألمانية تحت عنوان: "في السقوط تتعلم الريشة الطيران". الناقد الأدبي الألماني فولكر كامينسكي يستعرض هذه الرواية لموقع قنطرة.

تعمل عائدة في أرشيف قسم اللغة العربية بمكتبة مدينة بازل السويسرية. وبما أنَّها تحبُّ قراءة الكتب العربية وتكتب هي نفسها أيضًا باللغة العربية، فقد وجدت وظيفة أحلامها إن صح التعبير. ويبدو أنَّها سعيدة في حياتها الخاصة أيضًا وتعيش في علاقة مستقرة منذ تسعة أعوام.

ولكن المظاهر قد تكون خادعة: فالأحداث السابقة لهروبها تثقل كثيرًا على كاهل هذه الشابة. وصديقها بالذات يدفعها بشكل متزايد إلى موقف دفاعي من خلال أسئلته الاستقصائية. ولا يستوعب أنَّها لا تستطيع الحديث حول ذلك؛ وأحيانًا يصيبها صوتُه الاستجوابي "مثل سهم … رفيع وحاد". وفقط انفصالهما المؤقَّت بسبب العمل يُمهِّد لها الطريق أخيرًا من أجل الخروج من الأزمة.

كانت عائدة في بداية الرواية لا تزال تعيش في سويسرا مع والديها وأختها. لقد هرب أفراد أسرتها من العراق، حيث لم يشعروا قَطّ بأنَّهم في وطنهم. وفي هذه الأثناء، تم الاعتراف بلجوئهم جميعًا في سويسرا، ولكن والديها لا يحبان الحياة وفق التصوُّرات الغربية. وبشكل خاص والدها، وهو رجل دين محافظ، لا يدع أي يوم يمضي من دون استحضار "الوطن" ويرفع خسارة الوطن إلى منزلة الفكرة المهيمنة على حياتهم.

الغلاف الألماني لرواية "في السقوط تتعلم الريشة الطيران" للكاتب العراقي أسامة الشحماني.  (published in German by Limmat)
الشعر في الواقع هو منفاها، الذي تجد فيه عائدة وطنًا جديدًا. انطلقت عائدة من شخصيات والدها اللغوية، ولكنها تحرَّرت من قيوده الأيديولوجية وسذاجته السياسية، لتلتقط إيقاع هذه اللغة المألوفة وتنقله إلى لغة ألمانية شعرية تضفي على هذه الرواية صبغتها الخاصة.

يعاني الأب من عدم تمكُّنه من الحديث باللغة الألمانية، ولكنه على عكس بناته لا توجد لديه أية رغبة في تعلمها أيضًا. وهكذ فهو لا يستطيع التفاهم بالألمانية إلَّا بشكل بدائي غير كافٍ، مما يزيد غضبه كل يوم أكثر وأكثر. وهذه الحياة في سويسرا لا تقدِّم له ولزوجته أية آفاق، وهكذا تعود الأسرة بعد نحو عشرة أعوام إلى العراق، إلى "قرية" بالقرب من أبو ريات.

سرد هادئ مثل إيقاع ساعة سويسرية

يروي أسامة الشحماني قصة اللجوء المضطربة والمعقَّدة هذه بنبرة هادئة تبدو أحيانًا رتيبة مثل إيقاع ساعة سويسرية. ولكن كلما يتعرَّض اللاجئون لخطر وكلما وقعت حياتهم في مياه هائجة تسارعت وتيرة الرواية.

كثيرًا ما تطلعنا عائدة -التي نقرأ ملاحظاتها في هذه الرواية- على ذكريات الماضي وتروي فترتي حياتها بالتوازي. ويبدو من خلال ذلك أنَّ الأحداث تتأرجح نوعًا ما بين الأوقات، مما يؤكِّد على عدم استطاعة الشخصية الرئيسية الوصول إلى أي مكان.

وعائدة المولودة في إيران، لا تستطيع أن تشعر بأنَّ العراق وطنها. لقد أمضت أفضل أوقاتها كطالبة مدرسية في سويسرا، ولذلك ليس غريبًا أن تُخطط مع أختها من أجل العودة بمفردهما إلى سويسرا - وهو مخطط تخفيه الفتاتان عن والديهما.

وتطلعان شخصًا واحدًا فقط على مشروعهما هذا، وهو من معارف والديهما القدامى وصديق للعائلة يعيش في سويسرا - يُمكِّن الشقيقتين من السفر بالطائرة إلى زيورخ عبر إسطنبول وفيينا. ولكن هناك في سكن اللاجئين، تعتمد الشابتان فقط على نفسيهما. وفي هذه المرحلة من اللجوء، تسقط شقيقة عائدة ضحيةً لحادث مرور مأساوي.

اختبارات التحمُّل اليومية الصغيرة بشكل خاص تزيد من صعوبة الوصول سواء إلى البلد الأجنبي أو إلى وطن عائدة وأسرتها، الذي أصبح غريبًا على الشقيقتين. وبالنسبة لوالديهما تعتبر اللغة الألمانية هي العقبة الحاسمة - فالمفردات الأجنبية تقف في طريقهما مثل "صَفٍ من دبَّابات" بحيث لا يتمكَّنا من اكتسابها.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة