ويستشهد أصحاب هذا الرأي بما جرى في فرنسا عند صعود إيمانويل ماكرون من خارج الحزبين الكبيرين، ووصول دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة في أمريكا، وبولزونارو في البرازيل وبوريس جونسون في بريطانيا، وعلى هذا النهج، أصعد المزاج الشعبيّ التونسيّ شخصيّتين من خارج المؤسّسات ولا تتمتّعان برضاها.

ومن الصعب القول إنّ المترشح نبيل القروي "من خارج المنظومة" كونه كان أحد أبرز قيادات "نداء تونس" حزب الرئيس الراحل، وأحد أبرز مموّليه، وكان لوقت قريب مهندسا لبعض السياسات، في حين يعترف المزاج العام في تونس حاليا بأن القروي مسجون لأنه "منافس" وليس لأنه "متهرّب ضريبيًا".

خاض القروي الانتخابات الرئاسية من السجن بعد اعتقاله، في 23 أغسطس / آب بتهمٍ تتعلق بالفساد، وكان مثار جدل واسع بسبب صعوده السريع الذي بدأ قبل عامين، عندما أسّس جمعية تحت مسمى "خليل تونس"، نسبة إلى ابنه خليل الذي مات في حادث سير. وقامت الجمعية بدور مهمّ في الترويج للقروي، من خلال جمع التبرعات والقيام بتوزيع المساعدات النقدية والأغذية والأغطية بشكل مباشر للفقراء في عدد من المناطق والأحياء المهمّشة.

 

 

تلك الأنشطة كانت تبثّ على قناة "نسمة" التي يملكها القروي وتعتبر الأكثر مشاهدة في البلاد، وتركز القناة على إبراز المنتفعين وهم يتقدمون إليه بالشكر والعرفان بل ويناشدونه الترشح للحكم. وقد أثار هذا الأسلوب جدلًا واسعًا حول شرعية استخدام العمل الخيري وأخلاقيته لتحصيل مكاسب سياسية، وشراء الذمم وتحويلها إلى رصيد انتخابي، وتقدمت الحكومة فعلا بقانون يجرّم تلك الأعمال، ويقصي فاعلها من الترشّح، وهو قانون فُهِمَ على أنه سُنّ تحديدا لإزاحة القروي، وتم تمريره عبر البرلمان لكن الرئيس الراحل السبسي رفض توقيعه، وبالتالي لم يُطبَّق في الانتخابات الحالية.

وصعود القروي السريع وانقلابه على المنظومة التي كان ينتمي إليها، يأتي في سياق التحوّلات العميقة التي يشهدها العالم أجمع، خاصة في الديمقراطيات، إذ تتراجع حظوظ السياسي التقليدي المحنّك والمجرّب، والذي يُراكم خبراته ويتدرج في المسؤوليات وعبر الأطر الحزبية والمناصب على امتداد سنوات طويلة، لصالح السياسي المغمور الذي يصعد سريعًا وبشكل فجائي إما بفعل المال وجماعات الضغط والتلميع الإعلامي، أو عبر الاستثمار في "الخطاب الشعبوي" الذي يرتكز على تضخيم نقاط فشل الخصوم وإغداق الوعود، لجمهور فقير لا يمنحه القصف الإعلامي المركّز وضغوطات الحياة اليومية فرصا للتدقيق والتثبّت وإبداء الشكّ وطرح السؤال.

أما ظاهرة قيس سعيّد، فتبدو أكثر غموضا من حالة نبيل القروي، فالرجل وافد جديد على المسرح السياسي التونسي، وقد سطع نجمه بعد ثورة 2011، حيث كانت له مساهمات مهمة خلال النقاشات التي رافقت كتابة دستور 2014، خصوصًا في المنابر الإعلامية، وكان يمتاز عن غيره بطرح يدعو إلى القطع مع مركزية الدولة مباشرة من خلال ترسيخ مبدأ "حكم الشعب للشعب" وذلك بالبدء بإنجاز انتخابات محلية ثم جهوية ثم مركزية (أي برلمانية). وهو خطاب يتمسك به منذ 2011 ولم يغيّره وبنى عليه حملته الانتخابية الباهتة.

 

 

يملك سعيّد أسلوبا تواصليا غير تقليدي، ويبدو مختلفا عن غالبية المُتكلمين ومن تعود عليهم الناخب عبر وسائط الإعلام المختلفة، ويتميز بهدوئه وتمسّكه بالحديث باللغة العربية الفصحى، واحترام قواعدها الصرفية والنحوية والصوتية، ما يوحي لدى المتابع بصدقه واختلافه عن الصورة النمطية للسياسي التقليدي. وقد تميز بأدائه في مناظرات المترشحين التلفزيونية، ونال إعجاب كثير من الشباب والناخبين المترددين.

ويوما بعد يوم، يقترب الإعلام التونسي من فكّ شفرة "قيس سعيّد"، إذ تبيّن أن للرجل فريقا صغيرا من المستشارين غالبيتهم من الشباب، وأبرزهم يساريّ كان متشددا قبل أن يراجع خياراته، أما بقية الفريق فهم مزيج من اليساريين والمحافظين، تَمكَّنَ خطاب سعيّد الغامض وجمعه بين متناقضات كثيرة من تجميعهم رغم تنافر أيديولوجياتهم، على غرار موقفه الرافض لقانون المساواة في الإرث. وبدأ سعيّد مع ذلك الفريق غير المتجانس، حملة باكرة خاصة في الجهات الداخلية للبلاد، لكنها كانت حملة صامتة وبعيدة عن الأضواء.

لم يقم قيس سعيّد بحملة انتخابية بالمعنى التقليدي للكلمة، حيث لم يكن له ظهور إعلامي متواتر، ولم يصرف كغيره أموالا ضخمة في مواقع التواصل الاجتماعي أو خلال الاجتماعات، ورفض أيّ دعم مالي من المؤسسات الاقتصادية ورجال الأعمال وغابت المظاهر الاحتفالية عن جولاته، بل اعتمد بشكل كبير على عدد من الشباب المتطوعين الذين آمنوا برؤيته وبرنامجه الذي حمل اسم "الشعب يريد".

 

 

ضِف إلى ذلك أنّه تمكن من البقاء بعيد تمامًا عن المنظومة السياسية الحالية وكلّ ما يشوبها من علاقات مشبوهة بلوبيات الفساد، رغم الإغراءات، ما جعل هالة من "العفة والطهورية" تحوم من حوله، ما جعل كثيرين يختارونه دون غيره.

ثورة ناعمة؟

ربما هي كذلك بالفعل، فالمرشح الفائز قيس سعيّد وصفها بانها "ثورة من داخل الدستور". وبكل الأحوال، فقد تمكن التونسيون من جعل التصوّرات السائدة والحسابات الشّائعة حول دور الأحزاب واللوبيات والإعلام والمال، تنهار بالصندوق.

هذه النتائج، سوف تدفع بالنخبة الحزبية والسياسية التقليدية إلى السعي لفهم مغزى الرسالة التي أتى بها صندوق الاقتراع، إن أرادت هذه النخبة فعلا عدم الاندثار وتسليم البلاد إلى مغامرين أو هواة، فالأمر يحتاج -بحسب المتابعين- إلى الكثير من التواضع والتأمل والتحليل لفهم رسالة الناخب التونسي، وفهم سلوكه الغاضب والمعاقب للجميع

 

إسماعيل دبارة

حقوق النشر: إسماعيل دبارة / موقع قنطرة 2019

ar.Qantara.de

إسماعيل دبارة صحافي وعضو الهيئة المديرة لمركز تونس لحرية الصحافة
 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.