وهل يعلم المواطن العربي مثلا بأن المتنبي كان متعاطفا مع القرامطة، تلك الفرقة التي أسّست في بلاد البحرين في القرن التاسع الميلادي جمهوريّة قائمة على المساواة وتوزيع المُلكيات حتى وصل بها الأمر حد الدعوة للإلحاد وإلى اقتلاع الحجر الأسود من الكعبة بمكة؟

لا شك في أن قادة دول الشرق الأوسط في العصر الحديث لا يرغبون بنقاش قد يُثري المعلومات بتفاصيل تاريخية. ولكن يوجد هنالك أيضا أدب معاصر ذو طابع غير مُسيّس منظوم بطريقة مشوّقة. فلدينا مثلا رواية غادة عبد العال "أنا عايزة أتجوّز" والتي تصف فيها الشابة المصريّة بكل تهكم العرسان العشرة الذين تقدموا إليها والذين واجهوا رفضها هي، مما أدّى بوالدتها إلى الشعور بإحباط دفعها لمحادثة جهاز الثلاجة ليلا. 

ولكن حتى مثل هذه المطبوعات لا تجد طريقها إلى الأقسام الدراسية في المدارس. إذ تدوِّن غادة عبد العال كتاباتها باللهجة المصريّة بينما لا تريد وزارات التعليم في الدول العربية أن تشرّع لإهمالها الفصحى بدعمها للهجات الدارجة. وممّا قد يجعل الأمر أكثر سوءا بالنسبة لوزراء التعليم العرب هو أن يقوم أولئك الذين تعرّفوا على متعة المطالعة بمواصلة المطالعة أو ربّما البدء بالتدوين والكتابة بأنفسهم. 

امتناع ذاتي عن اللغة العربية

لا شيء أكثر دلالة على نجاح استراتيجيّات التثبيط التي تتبعها السلطات تجاه سوق الكتاب العربي. ففي سنة 2011 تم نشر حوالي 17 ألف عنوان جديد من بينها 2400 كتاب مترجم إلى العربية. وبحسب تلك الأرقام فقد أنتج العالم العربي بسكانه البالغ عددهم 360 مليونا نفس الكم من العناوين التي أنتجتها دولة مثل رومانيا بسكانها الـ 21 مليونا.

 

آية من القرآن الكريم على مرآة في المغرب. Foto: picture-alliance
يبدو من كل ما سبق أن الأمر يتعلق بتصرفات براغماتية بحتة: إذ يتمتع شباب دول الخليج الغنية بمستوى تعليمي متميز وهم يريدون إثبات مهاراتهم تلك في سوق العمل الدولية. إذن من المنطقي أن يرى أولئك الشباب في استخدام الإنجليزية بدل لغة القرآن سبيلا أفضل يُيسِّر لهم بلوغ مرامهم.

 

{صدر سنة 2011 حوالي 17 ألف عنوان بالعربية، منها 2400 كتاب مترجم. في المحصلة أنتج العالم العربي بسكانه البالغ عددهم 360 مليونا رقما مشابها لإنتاج دولة مثل رومانيا والتي لديها 21 مليون ساكن.}

 

إذن من الصعب نفي حقيقة أن الأنظمة العربية قد ساهمت عن طريق رقابتها التي لا تغيب وعن طريق البرامج التعليمية العقيمة  في تشجيع حالة عدم الاكتراث باللغة الفصحى. ولكن هل شجّعت الأنظمة بالمقابل الاهتمام باللهجات العاميّة المحليّة؟ وهل أدّى ذلك لما يمكن أن نصفه بأنه رفض ذاتي لاستخدام الفصحى؟

هذا هو ما يعتقده أبو زهر. فقد اعتاد العرب على امتداد تاريخهم على الاعتناء بلهجاتهم المحكيّة، ولكنهم في السنوات السبعين الأخيرة كانوا محكومين من قِبل قادة مستبدين لم يجلبوا معهم إلا الخوف والمشاكل الاقتصاديّة. ولم يتوقف هؤلاء الحكام قط عن مخاطبة الجماهير في كل قناة تلفزية وفي كل مقال صحفي بالعربيّة الفصحى.

ويحدُث كل هذا عن غير قصد في كثير من الأحيان، ولكن يحدُث في أحيان أخرى عن سبق إصرار وتعمّد كما يوضح أبو زهر مستشهدا بشخصيّة فؤاد نجم. فالشاعر الشعبي المصري والثوري طوال حياته والمتوفى سنة 2013 كان يكتب أشعاره دوما مستخدما العاميّة. ويرُدف أبو زهر معلقا: "سيرته الذاتية أشبه ما تكون بالإصبع الوسطى المرفوعة في وجه الدولة وسلطاتها. فلم يكن حتما من قبيل الصدفة أن قام المتظاهرون في الثورة المصرية سنة 2011 بالسير في الشوارع وترديد أبيات من قصيدة فؤاد نجم  "هُمّا مين واحنا مين"، كما يضيف أبو زهر ضاحكا.

وفي المحصلة النهائية يقودنا كل ما سبق إلى أن نطرح تساؤلا غير سارٍّ بالمرّة: من ذا الذي يمتلك السلطة على اللغة المكتوبة؟ فإن كان التمكُّن من الفصحى واستخدامها بسلاسة حِكرا على على الطغاة من الحكّام أو على المتعصّبين دينيّا فإن خطر التلاعب بالجماهير في الشرق الأوسط المعاصر هو أمر لا مفرّ منه.

فقد سبق للمتطرفين الإسلامويين أن تناولوا مسألة إباحة عمليات السلب والنهب الممنهجة بقرائن شرعية مستدلِّين على ذلك بمصطلحات عربيّة بالفصحى قاموا هم أنفسهم بإحداثها وتركيبها.

 

 

منى سركيس
ترجمة: صهيب زمّال
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.