تهجير قسري

من لم يهرب من الفلسطينيين، تعرض للتهجير القسري. وبحلول أيار/ مايو 1949، كانت كل من دير القاسي والقرى المجاورة كلها تحت السيطرة الإسرائيلية. وفي الوقت الحالي لم يتبق إلا القليل من الآثار المدمرة، التي تذكر بسكان هذه القرى، كما تم تغيير أسماء القرى أيضاً وتحولت قرية دير القاسي إلى ألكوش.

ومع نهاية الحرب في حزيران/ يونيو 1949، كان قد فر أو هُجر حوالي 750 ألف فلسطيني. ومنذ ذلك الحين عاش بعضهم في مخيمات اللاجئين في قطاع غزة أو في الضفة الغربية. لكن معظمهم وجد الملجأ في الدول المجاورة مثل لبنان والأردن وسوريا. وسمح قانون يعود لعام 1950 لدولة إسرائيل بمصادرة أملاك الفلسطينيين الغائبين.

لا تنحدر حفيظة من عائلة ثرية، ولكنهم كانوا يمتلكون منزلاً صغيراً، كما تقول. لا يزال لديها مفتاح منزلها في دير القاسي، وهو مفتاح لمنزل لم يعد له وجود اليوم. تعيش حفيظة حالياً داخل شقة بغرفتين مظلمتين بالإيجار في أحد مخيمات اللاجئين المكتظة. إذ لا يُسمح للفلسطينيين بامتلاك الأراضي أو العقارات في لبنان. وتقول أنه بالرغم من قلة المال، إلا أنها لا تشكو.

سبعون عاما على "النكبة" ـ لاجئون فلسطينيون منسيون في لبنان
مع نهاية الحرب في حزيران/ يونيو 1949، كان قد فر أو هُجر حوالي 750 ألف فلسطيني. ومنذ ذلك الحين عاش بعضهم في مخيمات اللاجئين في قطاع غزة أو في الضفة الغربية. لكن معظمهم وجد الملجأ في الدول المجاورة مثل لبنان والأردن وسوريا. وسمح قانون يعود لعام 1950 لدولة إسرائيل بمصادرة أملاك الفلسطينيين الغائبين.

التمسّك بفلسطين

لم تعش حفيظة خطيب في مخيم برج البراجنة للاجئين منذ فرارهم من قريتهم في فلسطين، إذ عاشت هي وعائلتها في بعلبك، في جبال لبنان، بعد وصولها عام 1948. وتقول: "باعتباري الابنة الأكبر، كان علي أن ألعب دور الأم في وقت مبكر من عمري". وتضيف: "اعتنيت بكل شيء، كما سهرت على تربية أشقائي الصغار أيضاً، مع الظن أنه سنتمكن من العودة إلى قريتنا في أقرب وقت، كما عرض علي أحد اللبنانيين الأثرياء الوسيمين الزواج، لكني رفضت، لأنه لم يكن يريد الذهاب معي إلى دير القاسي".

تزوجت حفيظة من ابن عمها إبراهيم وأنجبت عشرة أطفال، وتقول عن زوجها بأنه كان زوجاً صالحاً وأباً جيداً. في عام 1978، انتقلت حفيظة مع أبنائها غير المتزوجين إلى مخيم برج البراجنة. ويوجد ما مجموعه 12 مخيماً رسمياً للاجئين للفلسطينيين في بلاد الأرز، منظمة الإغاثة التابعة للأمم المتحدة من أجل اللاجئين الفلسطينيين (UNRWA) هي المسؤولة عنهم، لأن لبنان لا تقدم المساعدات المالية للفلسطينيين.

توفي زوج حفيظة قبل ثماني سنوات، ومنذ ذلك الحين تعيش وحدها، وتقول: "لم نكن نعيش حياة سيئة هنا، لكنني وأولادي لم نحظ بفرصة حقيقية". لهذا طلب أبنائها اللجوء في الخارج. وقد أتى مؤخراً أحد أبنائها من الدنمارك لزيارتها، ولديها ابنان آخران يعيشان في الولايات المتحدة، كما توفي أحد أبنائها خلال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976.

ومنذ ذلك الوقت تعاني حفيظة كثيراً إلى يومنا هذا. من حين إلى آخر تشير إلى صورة ابنها المعلقة فوق الباب الأمامي، فقط حتى تتمكن من رؤيتها من الأريكة. باقي أبنائها الستة الآخرين يعيشون في مخيم برج البراجنة.

لا يوجد علاقات جيدة مع لبنان

لم يُحترم الفلسطينيون في لبنان من قبل أي حكومة لبنانية. وذلك لأن منظمة التحرير الفلسطينية كانت طرفاً في الحرب الأهلية. في لبنان يورث اللاجئون الفلسطينيون صفة لاجئ لأطفالهم، ولا يُسمح لهم بالعمل في أي مهنة أكاديمية، كما يتقاضون أُجوراً أقل من اللبنانيين المؤهلين.

ويتم تبرير سبب هذا الاستبعاد رسمياً باستمرار بأن الاندماج الكامل للاجئين في لبنان يجعل عودتهم إلى وطنهم صعبة. لا حفيظة ولا أولادها يشعرون بأنهم جزء من المجتمع اللبناني: "لم نكن نريد أن نكون ضيوفاً دائمين"، يقول صبحي خطيب ابن حفيظة من الدنمارك. "نريد منزلاً حيث يمكننا العيش بكرامة، لقد نشأت مع فلسطين، وهي تعيش في قلبي".

وعلى عكس لبنان، شعر صبحي خطيب وعائلته في الدنمارك بالاحترام، ولهذا لم يكن يريد العيش في لبنان.على الرغم من أن بيروت الصاخبة والمليئة بالألوان تقع بالقرب، لم ترغب حفيظة خطيب في العيش خارج المخيم. في مخيم برج البراجنة يمكنها على الأقل الاحتفاظ بذاكرة فلسطين. "لطالما قمت بطهي الأطباق الفلسطينية لأطفالي، وكلهم يتحدثون باللهجة الفلسطينية." كما أخبرت أطفالها وأحفادها عن قصة النكبة، لكي يتم نقل الأحداث القديمة. ويقول ابنها: "في مدارس الأونروا لا تتعلم تاريخ فلسطين، وهو أمر غير مسموح به".

أمنية أخيرة

يبلغ عدد الفلسطينيين المسجلين لدى منظمة الاونروا في لبنان 450 ألف فلسطيني. ولكن حتى لو كان العدد الفعلي أقل من هذا، فإن الصعوبات المالية موضوع دائم، خاصة منذ أن أوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المساعدات المالية للأونروا.

نادراً ما تترك حفيظة خطيب شقتها منذ أن أصبحت تجلس على كرسي المقعدين: "الشوارع سيئة للغاية، أولادي يطبخون لي الطعام، وأحيانًا تأتي امرأة لمساعدتي بالأشياء الضرورية".

السوق الصغير للمخيم، والذي يُطلق عليه السكان بسخرية "سيرك بيكاديللي"، لم تره منذ فترة طويلة. ورغم مرور ما يقرب من 90 عاماً، فإنها لا تزال تحلم بالسفر في رحلة، وتقول اللاجئة الفلسطينية: "أحلم بالعيش في فلسطين لأسبوع آخر، وأريد أن ألمس الأرض مرة أخرى ومن ثم أدفن هناك".

توقفت لبرهة عن إكمال حديثها وذلك لأنها تعلم أن ذلك لن يحدث. رغم أنها تتمتع بحق العودة وفقاً للقانون الدولي وقرار الأمم المتحدة رقم 194، مع ذلك لا أحد يريد الاعتراف بهذا الحق في إسرائيل. وإذا حدثت يوماً ما أي مفاوضات، يخشى العديد من اللاجئين الفلسطينيين البالغ عددهم حوالي خمسة ملايين أن يتم التضحية بحقهم في العودة من أجل إحلال السلام.

 

ديانا هودالي، بيروت/ إ. م

حقوق النشر: دويتشه فيله 2018

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.