الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً بعد اجتماع لمجلس الوزراء، في أنقرة، تركيا، 23 مايو / أيار 2022.

سجن الناشط التركي المعارض عثمان كافالا
"استغلال تركيا لضباب حرب أوكرانيا"

بدعمه أوكرانيا وتقديم نفسه كوسيط إقليمي وصانع سلام وجد الرئيس إردوغان غطاء سياسيا يحتاجه لمواصلة اتخاذ إجراءات صارمة ضد معارضين محتملين وشخصيات معارضة في الداخل. تعليق سيلا بن حبيب.

يستغل الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، حرب روسيا على أوكرانيا لكي يَبرز بشخصية رجل دولة وصانع سلام في المنطقة، حتى وهو يضاعف جهوده في انتهاك المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان على المستوى الوطني. لنأخذ على سبيل المثال محنة عثمان كافالا، ناشط خيري بارز، وناشط في مجال المجتمع المدني، حُكم عليه مؤخرًا بالسجن المؤبد دون إمكانية الإفراج المشروط، بعد أربع سنوات من تبرئته، وبعد إعادة محاكمته وسجنه مرة أخرى من قبل المحاكم التي يسيطر عليها إردوغان.

كافالا ودميرتاش وأوجلان ونافالني - مقارنة

إن معاملة تركيا لكافالا أسوأ من اضطهاد روسيا لأليكسي نافالني، وهو شخصية معارضة حُكم عليها مؤخرًا بالسجن لمدة تسع سنوات. فقد حكمت تركيا على كافالا بما وصفته حنة أرندت بـ"حفرة النسيان التي يُعدها الحكام الاستبداديون لخصومهم". ولا يؤدي السجن المؤبد غير المبرر إلى محو الشخصية المدنية والهوية الاجتماعية للمُدانين فحسب، بل يمزق أيضًا نسيج الذاكرة والسرد الذي يربط المجتمعات بعضها مع بعض، مما يخلق الظروف الملائمة أمام نظام معين لاستخدام العنف مع الإفلات من العقاب.

ويمكن مقارنة الحكم الصادم على كافالا مع الحكم بالمؤبد على زعيم حزب العمال الكردستاني الانفصالي، عبد الله أوجلان، والاعتقال المستمر لزعيم حزب الشعب الديمقراطي الكردي، صلاح الدين دميرتاش. ولكن على عكس أوجلان ودميرطاش، فإن كافالا ليس سياسيًا أو جنديًا أو شخصية إعلامية؛ بل هو مواطن عادي شارك بنشاط في المجتمع المدني التركي، وساعد في بناء منتديات ثقافية وعلمية مستقلة.

 

احتجاج على قرار محكمة تركية حكمت على الناشط عثمان كافالا بالسجن مدى الحياة بتهمة محاولة قلب نظام الحكم - إسطنبول - تركيا - 26 أبريل / نيسان 2022. People take part in a protest against a Turkish court decision that sentenced philanthropist Osman Kavala to life in prison over trying to overthrow the government in Istanbul, Turkey, 26 April 2022 (photo: REUTERS/Umit Bektas)
بعد انتصار حزب العدالة والتنمية الحاكم في انتخابات عام 2002 بدا وكأن المجتمع المدني التركي قد تحرر من الدولة العلمانية والقمعية التي أسسها أتاتورك في أوائل عشرينيات القرن العشرين: أيد كافالا إرث الجمهورية التركية المتعدد الثقافات وعمل على إحياء الظروف التي مكنت الأرمن واليونان والأكراد والعلويين واليهود، والشركس، بنشر آثارهم وأغانيهم ومأكولاتهم وذكرياتهم بحرية في جميع أنحاء تركيا. ورغم أن إرنست رينان، المؤرخ الفرنسي للقومية، يعتقد أن العيش كأمة يستلزم نسيان صراعات الماضي العنيفة، رأى كافالا أن التحول الديمقراطي التركي يتطلب إحياء ذكرى هذه الصراعات. المخالفات التي أحاطت باعتقال كافالا واحتجازه ومحاكمته شنيعة لدرجة أنها دفعت تركيا لمواجهة مفتوحة مع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مما عرض عضوية البلاد في مجلس أوروبا للخطر. وطوال السنوات الأربع التي قضاها في السجن واجه كافالا سلسلة من التهم المتغيرة بما في ذلك التمرد العنيف والمشاركة في محاولة الانقلاب والتجسس. ونظرا لأن محكمة الجنايات الثالثة عشرة في اسطنبول لم تصدر حكمها المكتوب بعد، فإن التهم الواردة في حكمها النهائي لا تزال غير واضحة.

 

وأسس كافالا مؤسسة أنادولو كولتور Anadolu Kültür، وعمل في مجالس إدارة مؤسسة المجتمع المنفتح، ومؤسسة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية التركية، ومؤسسة التاريخ "وقف التاريخ"

TarihVakfi، وغيرها من المنظمات الأخرى. وتقديراً لعمله في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان والتعددية الثقافية، حصل على جائزة Courage in Public Scholarship Award  (منحة الشجاعة العلنية) لعام 2021، من المدرسة الجديدة للأبحاث الاجتماعية في نيويورك، وهو تكريم يتقاسمه مع الفيلسوف الراحل أغنيس هيلر، والمؤرخ البولندي يان ت. غروس، والناشطة النسوية الأمريكية الراحلة آن سنيتو.

حين بدا المجتمع المدني التركي وكأنه قد تحرر من الدولة العلمانية القمعية

بعد انتصار حزب العدالة والتنمية الحاكم في انتخابات عام 2002، بدا وكأن المجتمع المدني التركي قد تحرر من الدولة العلمانية والقمعية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك في أوائل عشرينيات القرن العشرين. وأيد كافالا إرث الجمهورية التركية المتعدد الثقافات؛ وعمل على إحياء الظروف التي مكنت الأرمينيين، واليونانيين، والأكراد، والعلويين، واليهود، والشركسيين، بنشر آثارهم وأغانيهم ومأكولاتهم وذكرياتهم بحرية في جميع أنحاء تركيا. ورغم أن إرنست رينان، المؤرخ الفرنسي للقومية، يعتقد أن العيش كأمة يستلزم نسيان صراعات الماضي العنيفة، رأى كافالا أن التحول الديمقراطي التركي يتطلب إحياء ذكرى هذه الصراعات.

إن المخالفات التي أحاطت باعتقال كافالا واحتجازه ومحاكمته شنيعة لدرجة أنها دفعت تركيا إلى مواجهة مفتوحة مع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، مما عرض عضوية البلاد في مجلس أوروبا للخطر. وطوال السنوات الأربع التي قضاها في السجن، واجه كافالا سلسلة من التهم المتغيرة، بما في ذلك التمرد العنيف، والمشاركة في محاولة الانقلاب والتجسس. ونظرًا لأن محكمة الجنايات الثالثة عشرة في اسطنبول لم تصدر حكمها المكتوب بعد، فإن التهم الواردة في حكمها النهائي لا تزال غير واضحة.

وفي وقت سابق، وتحديدا في مايو/أيار 2019، تداولت المحكمة الدستورية التركية قضية كافالا، حيث أصدرت المحكمة قرارًا مجزأً غير مألوف (عشرة إلى خمسة) ضد الاستئناف، مع انحياز رئيس القضاة زوهتو أرسلان للمعارضين. وعلى الرغم من تبرئة كافالا في 18 فبراير/شباط 2020 من التهم المتعلقة باحتجاجات حديقة غيزي، فقد أعيد اعتقاله على الفور بتهمة التجسس والتآمر ضد الحكومة.

وقضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، المسؤولة عن النظر في القضايا التي تنطوي على انتهاكات الدول الأعضاء لاتفاقية حقوق الإنسان، بأن المحكمة الدستورية التركية لم تمتثل لشرط "السرعة" في توضيح التهم الموجهة إلى كافالا، الذي احتُجز قبل المحاكمة لأكثر من ثلاث سنوات قبل توجيه الاتهامات إليه. وفضلا عن ذلك، لاحظت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أنه في ظل عدم وجود أدلة تثبت تورط كافالا في نشاط إجرامي معين، لا يمكن أن يُشتبه في أنه حاول قلب نظام الحكم بالقوة أو بالعنف. وأخيرًا، استنتجت المحكمة خلاصة "لا تدع مجالاً للشك"، وهي أن تركيا متورطة في "احتجاز مطول لمدافع عن حقوق الإنسان بهدف خفي وهو إسكاته"، في انتهاك للمادة 18 من الاتفاقية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة