سلفيون يقفون في المناطق التجارية أو يدقون أبواب المنازل والبيوت لتوزيع ملصقات تحت شعار "اقرأ!".
سلفيون يقفون في المناطق التجارية أو يدقون أبواب المنازل والبيوت لتوزيع ملصقات تحت شعار "اقرأ!".

القرآن ليس الكتاب المقدّس

فالقرآن ليس الكتّاب المقدس. وبقدر ما يكون وقع هذه المقولة عادياً فإن تجاهل مضامينها يبدو أمراً صارخاً، ليس فقط من قبل الجمهور العام، بل من قبل علم الاستشراق الذي تشكّل عبر اللاهوت المسيحي وكتاب العهد القديم بصورة خاصة. ويعود الفضل في فرض هذه المعرفة على العلوم الغربية المتخصصة ومنذ فترة الثمانينات على الأقل إلى الأبحاث المبكرة التي قامت بها أنغيليكا نويفيرت والتي مفادها أنّ القرآن ليس موعظة عن الله ولا شعر أو خطاب كهنوتي على غرار الخطاب العبري القديم. ثمّ إنّ النبي لم يدوّن تبليغه على شكل كتاب يقرأ على انفراد ويدرس بهدوء، إنما القرآن، ووفقاً لمنهجه الخاص، تلاوة طقوسية لكلام الله المباشر؛ فهو نصّ يتلى. أمّا الورق المكتوب فهو أمر ثانويّ ولم يمثّل في نظر المسلمين وإلى حد القرن العشرين سوى وسيلة للتذكّر. والله يتكلم عندما يتلى القرآن، وكلامه لا يقرأ إذا ما توخينا الدقّة هنا، بل يُستمع إليه.

وتتحدث أنغيليكا نويفيرت في هذا السياق عن الطابع المقدس لتلاوة القرآن: فعلى الرغم من أنّ القرآن لم يستخدم هذا المصطلح، إلا أنّ هذه التلاوة من حيث الجوهر فعلٌ مقدس وذلك عندما ينطق الإنسان بكلام الله ويستوعبه في أذنيه ويحفظه عن ظهر قلب؛ ولا تذكّر التلاوة هنا بما هو إلهيّ فحسب، بل يجب أن يستقبل المتزمتون ما هو إلهيّ في أعماقهم كما هو الأمر مع "العشاء الأخير" ليسوع المسيح ويضمنونه إليهم، وذلك فإنّ على قارئ القرآن يجبّ أن ينظّف أسنانه قبل أن يبدأ بالترتيل.

لكننا نرى المتزمتين في محطات التلفزيون الألماني وهم يعلنون عن توزيع نسخ القرآن في مناطق المشاة وعلى المنازل والبيوت السكنية دون قيد أو شرط. ويستطيع المرء أن يقرأ كتاباً، أو دراسة واحدة عن القرآن للباحثة غير المسلمة أنغيليكا نويفيرت فيدرك كيف أباح المتزمتون لأنفسهم الخروج عن البنية اللغوية للنصّ وتاريخ تلقيه، ويستوعب كذلك حجم التجديف الذي ارتكبوه بفعل تحمسّهم هذا.

وتجدر الإشارة إلى أنّ القرآن يحفظ في أرفع مكان في البيوت الإسلامية ويكون مكسواً بالقماش الفاخر. وحتى مجرد قراءة القرآن أو الاستمتاع إليه أو لمسه من قبل المسلمين أو غير المسلمين يتطلب الطهارة الطقوسية والخشية وفقاً للتقليد الإسلامي الشامل، والورع والتبصّر. إذ أنّ المسلم يستعيد أثناء تلاوة القرآن أو الاستمتاع إليه اللحظة الأولية للوحي.

فهذا الصوت هو ليس صوتاً بشرياً، بل إنّه الله نفسه الذي يتحدث إليك. وقد تجنب قادة الجيوش الإسلامية حمل نسخ القرآن معهم في ساحات المعارك أثناء العهود القديمة، لئلا يقع كلام الله في أيدي المشركين. وأحياناً يحجم المسلمون عن تعليم اللغة العربية لغير المسلمين بحجة الحيلولة دون إنشاد القرآن شعراً. ولعلّ هذه أمثلة وشواهد غريبة، بل ومتطرفة ربّما، ولكنها تشير إلى مقدار الخشية التي يتعامل بها المسلمون مع القرآن. وبهذا المعنى فإنّ المتزمتين يريدون توزيع القرآن مثلما يوزّعون المناشير أو الإعلانات الورقية دون خوف من أنّ نسخ القرآن سيلقى بها في أقرب سلّة للقمامة كما يلقى بالمناشير والدعايات الورقية.

تعامل آثم مع القرآن

ويا لها من نسخة ألمانية صارمة، لكنها باهتة لا طعم لها، وسريعة الفهم، ومزيفة بهذا المعنى للقرآن، تلك التي يريد المتزمتون توزيعها! فمطلع سورة العلق الذي يقول „اقرأ باسم ربكَ الذي خلق. خلق الإنسان من علق“ والذي رفعه المتزمتون على ملصقاتهم، مدعين أنّ الله يطالب بهذه السورة رسوله بالقراءة، نعم إنّ مطلعها هو سجع مقفّى يشمل جميع سور القرآن بلا استثناء. وللقرآن لغة متسقة وذات إيقاع وجرس موسيقيين، ولا يمكن قراءته بسهولة مثلما يقرأ المرء قصّةً أو نصّاً قانونياً. وكلّ من يفتح القرآن بلا تمهيد فإنه سيشعر بالاضطراب أوّل الأمر، فيبدو له القرآن خالياً من الترابط، ويستاء المرء من التكرار الكثير والكلمات المبتورة أو الغامضة والإحالات التي تبقى معانيها ألغازاً ومن التغيير المفاجئ للمواضيع وعدم وضوح الضمائر والصور المتعددة المعاني.

ولا تقتصر صعوبة فهم مقاطع طويلة من القرآن على المتبضعين في شوارع المشاة وحدهم، بل إنّ هناك باحثين غربيين، تغلب عليهم دراسة الكتاب المقدس اليوم أيضاً، ينكرون صحّة نسبة القرآن، مشيرين إلى بنيته الفوضوية والتي توحي بالطابع العرضي. ويقولون إنّ القرآن في صيغته الحالية هو نتاج للعديد من المؤلفين في وقت متأخر، وقد جمعّوا نتاجاتهم على نحو تعسفيّ. وبالطبع أنّ المسلمين يرفضون هذا الكلام، لأنّ تدوين القرآن من قبل مجموعة من المؤلفين المجهولين وفي متأخر سيقوّض أسس الإسلام أصلاً. وننصح جميع المتزمتين بقراءة أبحاث أنغيليكا نويفيرت.

فهي قد اشتهرت باعتبارها أستاذةً للعلوم الإسلامية عبر عملها الضخم والموسوم بـ "دراسات حول تركيب السور المكيّة" Studien zur Komposition der mekkanischen Suren والتي أثبتت فيه وعبر قراءة متفحّصة ودقيقة الترابطَ البلاغي الشعري ومنظومةَ الصور والسلامةَ النصيّةَ الواسعةَ للقرآن. أيّ كلّ ذلك الذي يبدو للقارئ المجرّد، وبالأخص قارئ الترجمة المبسّطة، غامضاً ومضطرباً ومجهداً ومليئاً بالتكرار والانتقال المفاجئ والحذف النحويّ والإضافة والتغيير المباغت لضمير المتكلم والاستعارات التي تبدو سوريالية، كلّ ذلك يمثّل نوعية لغة القرآن من وجهة نظر المستمع العربي ــ أو السبب الذي جعل جيمس جويس مسحوراً بالقرآن. وهكذا يؤكّد النصّ العلمي المدقق نقدياً والموثّق تاريخياً والذي غالباً ما يقول عنّه المتزمتون بأنّه موجّه ضد الإسلام، يؤكّد بخطوطه العريضة الصورة المتوارثة عن التاريخ الحقيقي للإسلام. فالقسم الجوهري من القرآن هو عمل لزمن ولروح مبدعة وموهوبة لغوياً. لكن من هي هذه الروح؟

والإجابة التي تقدمها أنغليكيا نويفيرت عن هذا السؤال غير مريحة تماماً بالنسبة للمتزمتين، إذ أنّ الأبحاث التي كتبتها بعد صدور "دراسات حول تركيب السور المكيّة" تتناول الطابع الشفاهي للقرآن وتكتشف عناصر أدائية عديدة. وهذا يعني أنّ القرآن ليس نصّاً يجب أن يتلى فحسب ويشبه النوتة الموسيقية التي تتحقق أنغامها أثناء الأداء. بل إنّ النصّ نفسه، وكما هو ماثل أمامنا الآن، تبليغ في القسم الأعظم منه ومحضر ٌ لتلاوة علنية وعرضٌ دوّن بدقة شديدة فيما بعد. ولذا فإن القرآن ليس فقط أقوال ناطق، بل يتضمن اعتراضات الجمهور المؤمن وغير المؤمن وردود الأفعال على هذه الاعتراضات التي تؤدي دائماً إلى تغيير مفاجئ في المواضيع داخل النصّ.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : ما نتعلمه من أستاذة العلوم الإسلامية أنغليكا نويفرت

بالنسبة لهؤلاء أولا علي دولهم حل مشكلة المواطين حتي يهاجر ثانيا علي الدولة التي تستقبل حسن المعاملة حسب قوانين الأمم المتحدة

عزالدين محمداحمد14.08.2016 | 06:30 Uhr

أعتقد ثمة سوء فهم بمعنى الترتيل . . فالترتيل هو أجود ما يكون عليه تجويد القرآن. ويكون بإعطاء كل حرف ما يستحقه من المخارج وفق أحكام التجويد. بحيث يكون اللفظ صحيحا يستطيع السامع أو القارئ أن يتبدر ما ما يقرأ. فالقصد هو التدبر وهو المطلوب
اما صبغ القرآن بالألحان فهو موضوع مختلف يتعلق بالمقامات الموسيقية العربية. بهدف تجميل الصوت بإعطائه العاطفة المناسبة للموضوع. .وهو أمر جائز مالم يؤدي إلى تشويه مخارج الحروف أو قلب الحركات إلى حروف مد أو حروف المد إلى حركات.
الأول موضوعه الفكرة والثاني العاطفة
أما الغناء فهو منهي عنه صراحة لأنه يؤدي إلى التشويه بالترتيل بعدم إعطاء كل حرف حقه. كما أنه يشتت الفكر ويجعل العاطفة تتجه للانفعال باللحن وليس بالكلمة. عدا عن أن القرآن أصلا ليس شعرا حتى يكون غناؤه ممكنا. مما يضيع كل المقصود بالترتيل.
وعلى هذا فإن عبارة:"أو „أنشد القرآن غناءً“ مثلما ترجم الشاعر فريدريش روكرت هذه الآية بجمالية ودقّة أفضل من ترجمة جميع المتزمتين." غير موفقة.

abdelmajid24.08.2016 | 09:51 Uhr

أرى ان السيدة المستشرقة متحاملة . فليس لقراءة القرآن أي طقوس فهو يقرأ على كل حال كلما وجد المسلم نشاطا إلى ذلك . وتنظيف الأسنان الذي ذكرته إنما هو دعوه للنظافة بكل وقت ومناسبة وليس تحضيرا لقراءة القرآن . اتساءل هل الأستاد الذي يدهب إلى إعظاء الدروس أو الموظف الذي يذهب إلى عمله . أو السياسي الذي يذهب إلى إلقاء خطبة . فينظف أسنانه يكون إنسانا متزمتا سيمارس طقسا ما. ؟ إن لم يفعل ذلك أفلا يكون منفرا.؟فقد جاء حديث يحض على تنظيف الأسنان عند دخول البيت للالتقاء بالأهل والاجتماع بهم كما ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها أنها سئلت : بأي شيء يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته ، قالت : " كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك " رواه مسلم (1/220) . فإذا كان مقصودها بالطقس مثل هذا فما المانع .
كما أن في كلامها تناقض . فإذا كان الكتاب المطبوع أمر ثانوي فلماذايحفظ في أرفع مكان في البيوت ويحفظ في مكان فاخر.
ثم ألا يحتفظ كثير من الناس بما قد يكونوا ورثوه من مذكرات آباءهم . أو كتبا آلفها عظماء وحصلوا على تواقيعهم عليها. يحتفظون بها بنفس الطريقة. وربما يمنعون أبناءهم أن يمسوها.
احترام الكتاب لا يعني أن نخاف من قراءته أو نتركه بعيدا خلف ظهورنا يحرم علينا المساس به.
لماذا لم يخطر ببال المستشرقة أن تضع نفسها على رأي هيجل أو كانت لا أدكر . لترى الأمر الطبيعي والأخلاقي : فهي بالتأكيد قد أهدت كتابها لبعض من المقربين إليها. فهل اهدته لأحد ظنت أنه سيرميه في القمامة. ألا يسعدها أن تجد البعض من أولئك المقربين قد احترم كتابها فقرأه وزينه . ووضعه بمكان مرموق . فصار بذلك أقرب أليها.. وربما لن يقرأه مرة أخرى .
أما عن رايها بفوضوية المواضيع وعشوائيتها في القرآن . . وتقلب الضمائر. فلا ألومها عليه , فتذوق اللغة العربية وجمالية النص القرآني وتماسكه لا يكون إلا باللسان العربي. والترجمة تضيع الكثير من ذلك.لذلك الترجمة لا تسمى قرآنا . فكلامها صحيح بالنسة لما قرآته من ترجمات .والمدهش أنه سواء صدق العربي الأديب أن القرآن كلام الله أو لم يصدق ذلك واعتقد أنه كلام البشر. إلا أنه في الحالتين يجزم أن القرآن هو أبلغ وأفصح نص عربي يليه في ذلك الشعر الجاهلي.
في الواقع لا أظن الكاتبة مؤهلة للحكم على عبقرية شكسبير اللغوية بأدبياته . مع ان الانكليزية أقرب للألمانية من العربية. عليها أن تصدق ما يقوله فطاحل الانكليزية في ذلك ولكن هذا لا يعني أن ليس من حق كل إنسان أن يختلف بالرؤى والأفكار التي يطرحها.
كذلك أنا لست مؤهلا الحكم على عبقرية الأدباء الألمان في أدبياتهم الألمانية من الناحية اللغوية والترابط والانتقال من موضوع لآخر . ساصدق المتخصصين من الألمان بذلك .ولكن هذا لا يعني أن ليس من حق كل إنسان أن يختلف بالرؤى والأفكار التي يطرحها أدبهاؤهم
كذلك القرآن المؤهل للحكم عليه لغويا هم أهل الاختصاص من العرب فإما أن تسلم لهم أو تصل لمرتبتهم ، علما أن إتقان اللغة العربية لا يعني المقدرة على مثل هذا النقد إذ انه لا بد من إتقان علوم هي علوم اللغة العربية وهي اثنا عشر علما.
عدا ذلك يعتبرتحاملا لا يليق بالبحث .
كل ما سبق لا يعني أني أقول أن ليس لها الحق في إبداء رايهاعلى الأفكار والمعلومات والأحكام . لما قد يبدو لها من إشكاليات وشبهات وتشويهات من الإعلام، ففي هذا يمكن الحوار والنقاش وتقديم البراهين لكل الأطراف.

abdelmajid24.08.2016 | 11:49 Uhr