القرآن يحفظ في أرفع مكان في البيوت الإسلامية ويكون مكسواً بالقماش الفاخر. وحتى مجرد قراءة القرآن أو الاستمتاع إليه أو لمسه من قبل المسلمين أو غير المسلمين يتطلب الطهارة الطقوسية والخشية وفقاً للتقليد الإسلامي الشامل، والورع والتبصّر
القرآن يحفظ في أرفع مكان في البيوت الإسلامية ويكون مكسواً بالقماش الفاخر. وحتى مجرد قراءة القرآن أو الاستمتاع إليه أو لمسه من قبل المسلمين أو غير المسلمين يتطلب الطهارة الطقوسية والخشية وفقاً للتقليد الإسلامي الشامل، والورع والتبصّر

الله يتكلم والإنسان يجيب

وبذلك ساهم أوائل من استمع للنبيّ، ومعهم الأمّة كلّها، في جزء جوهريّ من النصّ القرآني وتجلّت في القرآن عملية الانتقال من الثقافة الشفوية إلى الثقافة الخطيّة. وإذا ما قرأ القرآن بدقة مثلما فعلت أنغيليكا نويفيرت على سبيل المثال، فيتضح أنّ القرآن لم يكن إملاءً، بل حواراً مع وضد وسؤال وجواب ولغز وحلّه وإنذار ورهبة ووعد ورجاء وصوت الفرد والقرار الذي تردده الجوقة. ولابد من الاقتناع بأنّ الله هو الذي يتكلم في القرآن، لكنّ فقه اللغة يكون كافياً لمعرفة أن الإنسان هو الذي يردّ في القرآن.

وهذا الحوار، الذي هو القرآن نفسه، لم يحدث فقط بين مستمعيّ النبيّ في شبه الجزيرة العربية مباشرةً إبّان القرن السابع الميلادي. وتكشف أنغيليكا نويفيرت بدراساتها الأخيرة التي أفضت إلى مقدمة تفسيرها للقرآن والذي يقع في أربعة أجزاء، كشفت عن انتماء الوحي الإسلامي إلى حقبة العصور القديمة، أي في الزمان والمكان الثقافيين نفسهما اللذين نشأ فيهما علم اللاهوت اليهوديّ والمسيحيّ.

ولا يقتصر الأمر هنا على جرد وتبويب تأثير الفكر العربي على العلوم الغربية بالذات. ولا يعلم وزير الداخلية الحالي، )هانس بيتر فريدريش(، حتّى الآن بأنّ أحد الخطوط الرئيسية للتنوير الأوروبي يعود إلى الثقافة العربية، وبالأخص إلى الفلسفة اليهودية الإسلامية، وذلك ما يعرفه المرء في ألمانيا عبر العلوم اليهودية على أبعد تقدير. لكن أنغليكيا نويفيرت مهتمة بقضية أخرى، وقد بيّنت بشكل جليّ بأنّ القرآن نفسه، أي الوثيقة التأسيسية للإسلام، هي نصّ أوروبيّ، أو بالعكس، أنّ أوروبا نفسها تابعة للإسلام أيضاً ومنذ نشوئها. وبهذا المعنى فإن المواد المتفجرة التي يحملها هذا البحث لن يبطلها أيّ جهاز أمني في العالم، فهي ستنسف بيئتنا الفكرية من الجذور وبشكل حاسم تماماً.

وتظهر أنغليكيا نويفيرت حجم ما ستتمخض عنه هذه الرجّة الفكرية وغناها عبر عملها الأخير وهو الجزء الأوّل من تفسيرها للقرآن. وذلك عبر تتبعها للشواهد الإنجيلية والأفلاطونية وعلم اللاهوت الكنسي الأوّل والبنى اللغوية للقرآن قبل كلّ شيء باعتبارها نصّاً شعرياً، وتعاملها الجدّي معه باعتباره نوتة موسيقية دونت من أجل نصّ للإنشاد، فيتضح كيف أنّ القرآن تنسّم أنفاس الثقافة كلّها التي كانت قائمة في شرق البحر الأبيض المتوسط، وكيف أنّ أنفاسه اخترقت ثقافتنا هذه من جديد. وإذا ما كان هناك نصّ في تاريخ الأديان الشاملة فهو القرآن هذا، أو الحوار الذي تستشهد به مؤسساتنا الأكاديمية دائماً، وهو نحن أنفسنا، والذي استحال الآن إلى موسيقى.

وأنا لم أتطرق هنا في كلمتي الاحتفائية إلا لأعمال أنغيليكا نويفيرت العظيمة والرائعة المتعلقة بالقرآن. أمّا أبحاثها ودراساتها العديدة التي تناولت فيها الشعر العربي القديم والحديث، ومنه قصائد الشاعر الفلسطيني المهمّ محمود درويش على سبيل المثال، فهي بحاجة إلى كلمة أخرى مستقلة. ولم أتصوّر أنغليكيا نويفيرت بصفتها محرضة على المبادرة فقط، وهي هكذا في الحقيقة، بل إنّ مبادرتها لم تقتصر على المشروع الشامل لتاريخ نصّ القرآن في أكاديمية العلوم في برلين ـ براندنبورغ وحده، إنما شملت عدداً لا يحصى من مشاريع البحث الصغيرة.

وقد مرّ تقريباً كلّ من تعامل مع القرآن في ألمانيا أو الشعر العربي الكلاسيكي، بمن فيهم صاحب كلمة الثناء هذه، عبر مدرستها، فألهب مشاعره تحمسها لهذه القضايا وركنَ إلى إخلاصها في العمل ووفائها. وهي تمضي في الوقت نفسه بضعة شهور من كلّ عام في الشرق الأوسط وتحتفظ بغرفة للنوم ببيروت أو القدس وتشرف على حشد من الطلبة المؤمنين في العالم الإسلامي وتلقي محاضرات ليس فقط في جامعتيّ هارفارد وبرنستون، بل العديد من الجامعات العربية والمعاهد الإسلامية المرموقة.

أخذ الآخرين على محمل الجدّ

منذ أن تعرفت عليها وأنا أسأل نفسي كيف تسنّى لها إنجاز كلّ هذه الأعمال، فالعامل الزمني يقول إنّ هذه الأعمال لا تنجز خلال حياة واحدة! لكن لماذا يصغى لها بدقة متناهية في مراكز العلوم الإسلامية بالذات على الرغم من أن أبحاثها تمسّ أسس العقيدة الإسلامية وتزعزعها من الأساس؟

وأعتقد أن هذا مرتبط بأسلوبها التعبيري وإخلاصها المتعاطف مع النصّ وجديتها وتديّنها هي نفسها أيضاً. وما يمكن تعلّمه ربّما من فقيهة اللغة هذه عن علاقة الرأي العام العلماني بالدين على العموم هو: ضرورة الشكّ بما يقدسه الآخرون وانتقاد أسس كلّ معتقد وبشكل بديهيّ ــ على شرط أنّ يحمل المرء هذه المعتقدات محمل الجدّ ويحترمها كذلك باعتبارها مبادئ مقدسة بالنسبة للآخرين. وبهذه المناسبة فإنني أهنىء أنغيليكا نويفيرت بمناسبة منحها جائزة سيغموند فرويد لهذا العام.

 

ألقيت الكلمة في ٦٢ تشرين الأول/ أكتوبر ٣١٠٢ في مسرح الدولة بمدينة دارمشتات.

نويد كرماني كاتب ومتخصص في العلوم الإسلامية يقيم في مدينة كولونيا الألمانية. وثمّنت أعماله بعدد من الجوائز.

ترجمة: حسين الموزاني

حقوق النشر: معهد غوته & فكر وفن

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : ما نتعلمه من أستاذة العلوم الإسلامية أنغليكا نويفرت

بالنسبة لهؤلاء أولا علي دولهم حل مشكلة المواطين حتي يهاجر ثانيا علي الدولة التي تستقبل حسن المعاملة حسب قوانين الأمم المتحدة

عزالدين محمداحمد14.08.2016 | 06:30 Uhr

أعتقد ثمة سوء فهم بمعنى الترتيل . . فالترتيل هو أجود ما يكون عليه تجويد القرآن. ويكون بإعطاء كل حرف ما يستحقه من المخارج وفق أحكام التجويد. بحيث يكون اللفظ صحيحا يستطيع السامع أو القارئ أن يتبدر ما ما يقرأ. فالقصد هو التدبر وهو المطلوب
اما صبغ القرآن بالألحان فهو موضوع مختلف يتعلق بالمقامات الموسيقية العربية. بهدف تجميل الصوت بإعطائه العاطفة المناسبة للموضوع. .وهو أمر جائز مالم يؤدي إلى تشويه مخارج الحروف أو قلب الحركات إلى حروف مد أو حروف المد إلى حركات.
الأول موضوعه الفكرة والثاني العاطفة
أما الغناء فهو منهي عنه صراحة لأنه يؤدي إلى التشويه بالترتيل بعدم إعطاء كل حرف حقه. كما أنه يشتت الفكر ويجعل العاطفة تتجه للانفعال باللحن وليس بالكلمة. عدا عن أن القرآن أصلا ليس شعرا حتى يكون غناؤه ممكنا. مما يضيع كل المقصود بالترتيل.
وعلى هذا فإن عبارة:"أو „أنشد القرآن غناءً“ مثلما ترجم الشاعر فريدريش روكرت هذه الآية بجمالية ودقّة أفضل من ترجمة جميع المتزمتين." غير موفقة.

abdelmajid24.08.2016 | 09:51 Uhr

أرى ان السيدة المستشرقة متحاملة . فليس لقراءة القرآن أي طقوس فهو يقرأ على كل حال كلما وجد المسلم نشاطا إلى ذلك . وتنظيف الأسنان الذي ذكرته إنما هو دعوه للنظافة بكل وقت ومناسبة وليس تحضيرا لقراءة القرآن . اتساءل هل الأستاد الذي يدهب إلى إعظاء الدروس أو الموظف الذي يذهب إلى عمله . أو السياسي الذي يذهب إلى إلقاء خطبة . فينظف أسنانه يكون إنسانا متزمتا سيمارس طقسا ما. ؟ إن لم يفعل ذلك أفلا يكون منفرا.؟فقد جاء حديث يحض على تنظيف الأسنان عند دخول البيت للالتقاء بالأهل والاجتماع بهم كما ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها أنها سئلت : بأي شيء يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته ، قالت : " كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك " رواه مسلم (1/220) . فإذا كان مقصودها بالطقس مثل هذا فما المانع .
كما أن في كلامها تناقض . فإذا كان الكتاب المطبوع أمر ثانوي فلماذايحفظ في أرفع مكان في البيوت ويحفظ في مكان فاخر.
ثم ألا يحتفظ كثير من الناس بما قد يكونوا ورثوه من مذكرات آباءهم . أو كتبا آلفها عظماء وحصلوا على تواقيعهم عليها. يحتفظون بها بنفس الطريقة. وربما يمنعون أبناءهم أن يمسوها.
احترام الكتاب لا يعني أن نخاف من قراءته أو نتركه بعيدا خلف ظهورنا يحرم علينا المساس به.
لماذا لم يخطر ببال المستشرقة أن تضع نفسها على رأي هيجل أو كانت لا أدكر . لترى الأمر الطبيعي والأخلاقي : فهي بالتأكيد قد أهدت كتابها لبعض من المقربين إليها. فهل اهدته لأحد ظنت أنه سيرميه في القمامة. ألا يسعدها أن تجد البعض من أولئك المقربين قد احترم كتابها فقرأه وزينه . ووضعه بمكان مرموق . فصار بذلك أقرب أليها.. وربما لن يقرأه مرة أخرى .
أما عن رايها بفوضوية المواضيع وعشوائيتها في القرآن . . وتقلب الضمائر. فلا ألومها عليه , فتذوق اللغة العربية وجمالية النص القرآني وتماسكه لا يكون إلا باللسان العربي. والترجمة تضيع الكثير من ذلك.لذلك الترجمة لا تسمى قرآنا . فكلامها صحيح بالنسة لما قرآته من ترجمات .والمدهش أنه سواء صدق العربي الأديب أن القرآن كلام الله أو لم يصدق ذلك واعتقد أنه كلام البشر. إلا أنه في الحالتين يجزم أن القرآن هو أبلغ وأفصح نص عربي يليه في ذلك الشعر الجاهلي.
في الواقع لا أظن الكاتبة مؤهلة للحكم على عبقرية شكسبير اللغوية بأدبياته . مع ان الانكليزية أقرب للألمانية من العربية. عليها أن تصدق ما يقوله فطاحل الانكليزية في ذلك ولكن هذا لا يعني أن ليس من حق كل إنسان أن يختلف بالرؤى والأفكار التي يطرحها.
كذلك أنا لست مؤهلا الحكم على عبقرية الأدباء الألمان في أدبياتهم الألمانية من الناحية اللغوية والترابط والانتقال من موضوع لآخر . ساصدق المتخصصين من الألمان بذلك .ولكن هذا لا يعني أن ليس من حق كل إنسان أن يختلف بالرؤى والأفكار التي يطرحها أدبهاؤهم
كذلك القرآن المؤهل للحكم عليه لغويا هم أهل الاختصاص من العرب فإما أن تسلم لهم أو تصل لمرتبتهم ، علما أن إتقان اللغة العربية لا يعني المقدرة على مثل هذا النقد إذ انه لا بد من إتقان علوم هي علوم اللغة العربية وهي اثنا عشر علما.
عدا ذلك يعتبرتحاملا لا يليق بالبحث .
كل ما سبق لا يعني أني أقول أن ليس لها الحق في إبداء رايهاعلى الأفكار والمعلومات والأحكام . لما قد يبدو لها من إشكاليات وشبهات وتشويهات من الإعلام، ففي هذا يمكن الحوار والنقاش وتقديم البراهين لكل الأطراف.

abdelmajid24.08.2016 | 11:49 Uhr