"موالون" أم خاضعون قسراً لسلطة الأسد

ما زال شائعاً استسهال تصنيف كثير من السوريين، بعضهم لبعضهم الآخر، ضمن قوالب نمطية بسيطة شكّلتها أحكام مسبقة، وتعميمات مغلوطة. تعليق طارق عزيزة لموقع قنطرة.

الكاتب، الكاتبة : طارق عزيزة

عشر سنوات من الصراع المعقّد، تلَت انطلاقة الثورة الشعبية السلمية في سوريا، شهدت البلاد خلالها تغيّرات وتحوّلات هائلة بدّلت وجهها إلى غير رجعة. معطيات كثيرة اختلفت مع مرور الوقت، وتخلخلت معها اصطفافات ومواقف عديدة، بفعل كلّ ما جرى ويجري، على المستويات كافّة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن العسكرية. لكن، بالرغم من ذلك كلّه، كان وما زال شائعاً استسهال تصنيف كثير من السوريين، بعضهم لبعضهم الآخر، ضمن قوالب نمطية بسيطة شكّلتها أحكام مسبقة، وتعميمات مغلوطة.

ويستمرّ كثيرون في تبنّي تلك التصنيفات والبناء عليها في قراءتهم للمشهد، دون اكتراث لما تقتضيه الوقائع المتغيّرة من مقاربات مختلفة، ومن إعادة نظر في أحكام أنتجتها معطيات وظروف سابقة لم تعد اليوم على النحو الذي كانت عليه قبل سنوات.

ويمكن القول إنّ الجدل الذي أعقب "خطاب القسم"، لرئيس النظام السوري بشار الأسد، في تموز (يوليو) الماضي، شكّل مناسبةً لمنقاشة كيفية ظهور بعض التصنيفات المتعسّفة أو غير الدقيقة التي راج تداولها في الأحاديث بين السوريين وعنهم، وما تقدّمه هذه الحالة من فائدة كبرى للنظام قبل غيره، من حيث تكريسها انقسامات السوريين وتضخيمها، بما يضمن استمرار سلطة النظام، ويسهم في نقل الصراع إلى صفوف عامة الناس، بدلاً من أن يكون بينهم كشعب، وبينه كنظام مستبدّ قاتل وفاسد.

في ظلّ أوضاع معيشية خانقة، واقتصاد متهالك شبه منهار، ألقى بشار الأسد "خطاب القسم" في قصره بدمشق، يوم 17 تموز (يوليو) 2021، في مراسم من الأبّهة المصطنعة، وبحضور مئات المصفّقين من أعضاء "مجلس الشعب"، ومعهم ضيوف آخرون من مختلف الشرائح الاجتماعية، جرى انتقاؤهم بعناية.

قوبل الأسد وخطابه بموجة واسعة من الانتقادات والسخرية اللاذعة، على كثير من صفحات السوريات والسوريين في مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا أمرٌ بات مألوفاً من جانب المعارضين في تعاملهم مع كلّ ما يصدر عن النظام السوري.

 

سوريا: "موالون" ينتقدون نظام الأسد

 

لكنّ الجديد هذه المرّة، هو صدور هذه المواقف، على نطاق واسع، وبجرأةٍ غير معهودة، عن سكّان ما تُسمّى "مناطق النظام"، حيث يزداد باطّراد عدد من ينشرون ويعلّقون من حساباتهم الشخصية وبأسمائهم الصريحة منتقدين النظام والأسد نفسه، وليس الاكتفاء بهجاء "الحكومة" و"المسؤولين الفاسدين"، على ما جرت العادة، مما دفع بأجهزة الأمن إلى اعتقال بعض الأشخاص بسبب منشوراتهم على (فيسبوك).

في المناطق نفسها يوجد أيضاً موالون لم يكفّوا يوماً عن تأييد الأسد، ويواصلون دعمه صراحةً، فلا يملّون من كيل المديح له، والتغزّل ببطولاته وانتصاراته التي – في نظرهم - لا تتوقف! فهل يصحّ إجمال الفئتين وحشرهما في تصنيف واحد، وهل انطلق موقف كلّ من هاتين الفئتين السلبي تجاه الثورة منذ انطلاقتها قبل سنوات عشر، من الأرضية والأسباب نفسها؟

 

 عنصران من القوات السورية يجلسان قرب فسيفساء تمثل صورة الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد عند مدخل حرستا قرب دمشق في 25 آذار/مارس 2018.
"المجتمعات أجهزة معقّدة كالموجود الحي"، وفق تعبير غوستاف لوبون، لكنّ مفاعيل الصراعات تطمس هذه الحقيقة، وهو ما حصل في السياق السوري، حيث نُظِر إلى أهالي كل منطقة بدلالة القوّة التي تسيطر عليها، وكأنّ هؤلاء البشر كتلٌ صمّاء ثابتة الجوهر متماثلة العناصر.

 

عبر التاريخ، كان القتال حتى الموت من أجل فكرة سياسية أو عقيدة دينية أو أيّ دافع أيديولوجي، من التضحيات التي لا يُقدم عليها الناس جميعاً، بل عدد محدود من الأشخاص المستعدّين لبذل حياتهم في سبيل أفكارهم وقناعاتهم. في المقابل، سيقاتل عددٌ أكبر بكثير دفاعاً عن النفس، حين تتولّد لديهم قناعة بأنهم يواجهون تهديداً يستهدف وجودهم وبقاءهم. هذا ما أدركه النظام السوري جيداً منذ أيام الثورة الأولى، فهو وأجهزته الأمنية خير من يعلم حقيقةَ موقف السوريين من استبداده وفساده وظلمه، ويعلم كثرةَ من يظهرون الولاء خوفاً من البطش والقمع، أو حرصاً على مكاسبهم، لا حباً به أو تصديقاً لشعاراته الزائفة.

لذلك، اشتغل إعلام النظام، في شقيه الرسمي وشبه الرسمي، على تصوير المتظاهرين السلميين بأنهم "تكفيريّون" تحرّكهم أجندات طائفية من وراء الحدود، وفي الوقت نفسه عمد إلى تشكيل "رأيٍ عام" في أوساط الأقليات الدينية عموماً، وبين العلويّين على نحو خاص، عبر أدواته من رجال الدين والوجهاء المحليين المرتبطين به، للقول إنهم هم المستهدفون من هذه الثورة نتيجة "دوافعها الطائفية" وليس النظام، وبالتالي، فهم إذ يواجهون الثورة، يدافعون عن أنفسهم وأعراضهم ووجودهم، وليس عن النظام وسلطته.

اللافت أنّ مستشارة الأسد الخاصّة لونا الشبل، عادت لتكرّر ذلك في سياق شرحها خطابَ رئيسها على شاشة التلفزيون السوري الرسمي، حين استنكرت تذمّرَ الشعب من الأوضاع العامة، ومطالَبتَه النظامَ بثمار "الصمود"، قائلةً إنّ أحداً لم يطلب منهم ذلك، بل "غريزة البقاء" هي التي دفعتهم للصمود.

 

تهميش الأبعادَ الاقتصادية والسياسية للصراع في سوريا والتركيز على البعدين الديني والطائفي

 

ومما ساعد في تحقيق استراتيجية النظام الإعلامية بروزُ تنظيمات متشدّدة حقاً، تسلّقت الثورة، وتبنّت خطاباً ونهجاً تكفيرياً صريحاً، فأسهمت في تدعيم روايته المختلَقة، ومنحَتْها عناصرَ واقعية استثمرها في دعايته حتى النهاية، مما حجب، إلى حدّ كبير، الأبعادَ الاقتصادية والسياسية للصراع، لصالح التركيز على البعد الديني والطائفي، بعد تضخيمه وتكريسه بشتى الوسائل.

وبمثل ما لم يكن معظم من ثاروا ضدّ النظام مؤيدين للتنظيمات المتشدّدة، فإنّ شرائح واسعة ممن اتخذوا موقفاً سلبياً تجاه الثورة لم يكونوا مؤيدين حقاً للنظام، بقدر ما كانوا يخشون ما هو قادم، وبين الفئتين بقيت شريحةٌ واسعةٌ ممن يوصفون بـ"الرماديين" موزّعةً على مناطق النظام ومناطق المعارضة، وحتى في المنافي وبلدان اللجوء.

إنّ من يمكن وصفهم بالموالين الذين يؤيّدون النظام عن قناعة "وطنية" أو "طائفية"، والذين ترتبط مكتسباتهم به وجوداً وعدماً، فيدافعون عن مصالحهم بالدفاع عنه، وكذلك من شاركوا في القتال إلى جانب النظام ظناً منهم أنّهم يدافعون عن أنفسهم حقاً لا عنه، كانت نسبتُهم مجتمعين أقلّ من أن تكفي لمنع سقوطه عسكرياً، لذا كان لا بدّ من تدخّل إيران وميليشياتها عسكرياً، ثم روسيا، بشكل مباشر لحمايته. ولا يخلو من دلالة، أنّ عشرات آلاف الشبان من بيئات توصف بـ"الموالية"، تهرّبوا من "الخدمة الإلزامية"، ورفضوا الالتحاق بالميليشيات المتكاثرة، وآثروا مغادرة البلاد على القتال في صفوف النظام.

 

"المجتمعات أجهزة معقّدة كالموجود الحي"

 

مصطلحات وأوصاف كثيرة راجت خلال الثورة، عبّرت عن الانقسام السوري الكبير، على أرضيّة الموقف من هذا الحدث التاريخي. لكنّ كثيراً منها، إن لم يكن جميعها، انطلق من ثنائية "من ليس معنا فهو ضدّنا" التي اشتُهر بها نظام الأسد منذ ثمانينيات القرن الماضي، إبّان صراعه مع جماعة الإخوان المسلمين، لكنها لم تعد مقتصرةً عليه. الإعلام المعارض استسهل إطلاق صفات من مثل "موالين للنظام" و"شبّيحة"، بالجملة، على كل من لم يؤيّدوا الثورة صراحةً، أو المنحدرين من طوائف بعينها، أو حتى بسبب الجغرافيا والسكنى في مناطق النظام. وبالاستسهال نفسه، وصَف إعلام النظام سكّانَ المناطق الخارجة عن سيطرته بـ"الإرهابيين" أو "حاضني الإرهاب".

إن "المجتمعات أجهزة معقّدة كالموجود الحي"، وفق تعبير غوستاف لوبون، لكنّ مفاعيل الصراعات تطمس هذه الحقيقة، وهو ما حصل في السياق السوري، حيث نُظِر إلى أهالي كل منطقة بدلالة القوّة التي تسيطر عليها، وكأنّ هؤلاء البشر كتلٌ صمّاء ثابتة الجوهر متماثلة العناصر. لقد بات التعسّف في إطلاق الأحكام سيّد الموقف، وحرص إعلام كلّ طرف على انتقاء وقائع معيّنة والتركيز عليها، وإبراز الأصوات الأكثر تطرّفاً ضدّ "الآخر"، والتعامي عن حقائق ووقائع أخرى بشكل متعمّد، بهدف إضفاء صورة نمطية على مجموعات بأكملها. هذا ما يسمّى "التحامل"، وهو، إذ يُبنى على موقف شعوري انفعالي حيال فئة ما، يقود إلى سوء التقدير، وإصدار أحكام قطعية جامدة، تفتقر إلى العقلانية والدقّة.

من اللافت إصرار وسائل إعلام سورية محسوبة على المعارضة، ومعها كثير من الناشطين المعارضين، إلى الآن، على وصف السكان الخاضعين بالإكراه لسلطة نظام الأسد والميليشيات الأجنبية المتحالفة معه، بـ"الموالين" و"المؤيدين"، وفق المعنى الذي كان عند انطلاق الثورة قبل أكثر من عشر سنوات.

ولا يبدو منطقيّاً الاستمرار في اعتماد الترسيمة نفسها، وتجاهل جملةِ المعطيات المستجدّة والمواقف التي يُعبّر عنها الناس علناً هناك، بفعل التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الهائلة التي طرأت على البلاد، منذ انحسار الثورة وطغيان الحرب وأمرائها. فهل يتوقّف تبنّي التعميمات المغلوطة في أحاديث السوريين فيما بينهم، وكذلك في حديث الآخرين عنهم؟

 

 

الكاتب: طارق عزيزة

حقوق النشر: قنطرة 2021

طارق عزيزة كاتب وباحث سوري.

 

 

المزيد من المقالات التحليلية من موقع قنطرة:

هتلر وستالين وموسيليني وتطرف كاثوليكي تحت راية الأسد

لماذا يدافع متطرفون من أوروبا عن نظلم الأسد

"قطع الرؤوس أرحم من التعذيب اليومي في أقبية نظام الأسد"

الربيع العربي ...انتفاضات سلطوية في مواجهة انتفاضات الحرية