هذه الأحزاب وهؤلاء السياسيون يعتبرون أنفسهم مدافعين عن مصالح الدولة وهيبتها. ويبقى السؤال -الذي يحتاج إلى إجابة- يدور حول ماهية الدولة التي يتنطعون متفاصحين من أجل تمثيلها: هل هذه ما زالت ديمقراطية؟ يثير هذا التساؤل الشكوك، إذ بدأ بعض مغاوير أحزاب الوسط في نقل مفاهيم الأيديولوجية القومية المتطرفة إلى قانون الدولة.

فالديمقراطية لا تحصر الحقوق الأساسية على شعب ما ضمن حدود دولته الضيقة، مثل حق الحياة وحق العيش بصحة وحق تقرير المصير. وعندما تنكر الدولة الديمقراطية هذه الحقوق الأساسية لكل البشر الذين يعيشون خارج حدودها، فإن ذلك يعني التخلي عن مُثُل الديمقراطية العليا.

فأولئك الذين يحرصون على الاستحواذ على مكاسب الاقتصاد المعولم الخالي من الحواجز، ويريدون إبعاد البؤس واليأس خارج أسوار دولهم وحدودها المحمية بشكل صارم، ليسوا إلا لهاةً، يتلاعبون بالديمقراطية، وكأنهم في روضة للأطفال المدللين الذين يعيشون منفصلين عن الواقع المعاش خارجها. أولئك إما نسوا المعنى الحقيقي للديمقراطية أو لم يتعلموا معناها بالأصل.

من الذي يستخدم اللاجئين كأدوات لتحقيق مصالحه؟

إحدى الأدوات الخطابية الشائعة في المناقشات الراهنة هي الإشارة إلى "توظيف" اللاجئين من قبل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان. وليس من العسير التعرف على المتطرفين، فهم أولئك الذين ينعتون أنفسهم بأنهم على صواب، ولكنهم في الوقت عينه يعرّون هذا الصواب من مضمونه وسياقه الأكبر.

منذ سنوات يكابد عشرات الآلاف من اللاجئين ظروف الحياة الصعبة في مخيمات اللجوء المكتظة في جزر بحر إيجه اليونانية. وقد تم تشخيص أعراض صدمات نفسية غريبة من الشعور باللامبالاة لدى الأطفال هناك، إلى جانب رصد حالات انتحار لقاصرين. والسؤال هنا: ألا تستخدم أوروبا هذه الجموع البشرية كأدوات؟ الجواب: نعم. فحالة هؤلاء تقدم رادعاً حياً لمن يفكر بالهجرة إلى الاتحاد الأوروبي، والرسالة هنا موجهة إلى كل من يفكر باللجوء إلى أوروبا، وهي: حذارِ! سينتهي بك المطاف في هذا المخيم البائس.

أوروبا تختزل نفسها بفضل سياسة الحدود المغلقة إلى فكرة ضيقة، فكرة يدافع عنها من يعتبرون أن الحرب ضد المهاجرين الضعفاء العزل هي حرب يمكن كسبها. وقد يرى بعضهم في المسألة الوجه الآخر لعظمة إمبريالية سالفة العهد، إلا أنها الوجه المعاكس لأفكار حقوق الإنسان وحرية الفرد والتضامن العالمي. وهي أفكار لم تخترعها أوروبا، إلا أنها طورتها على نطاق واسع، وجعلت منها قيماً منشودة في جميع أنحاء العالم.

 

 

أوروبا تشيح بوجهها بعيداً عن الحرب في شمال سوريا

لا ريب في أنّ الوضع الراهن في إدلب يمثل جزءاً من السياق الأوسع للأزمة على الحدود الخارجية لأوروبا. وهو وضع سوداوي يدفع الناس هناك، بحسب روايات شهود عيان، إلى الإيمان المطلق بدنو أجل العالم واقتراب نهايته. لكن أوروبا لا تريد أن يكون لها علاقة بالأحداث السياسية في المنطقة الشمالية من سوريا. وربما تقدم النداءات العديمة الصدى -التي أطلقها وزير الخارجية الألماني هايكو ماس والداعية إلى وقف إطلاق نار في سوريا- دليلاً لمن لا يصدق ذلك.

ورغم محاولات أوروبا التملص من هذه العلاقة فإن الصلة التاريخية بين منطقة إدلب وأوروبا وثيقة جداً. فقبل ثلاثمائة عام من شاعر إيطاليا دانتي أليغييري، وصف ابنُ إدلب الأشهر الشاعرُ والفيلسوف أبو علاء المعري زيارةً إلى الجحيم. ومن يدري، فلربما إذا كرر الشاعر الكبير هذه الزيارة إلى الجحيم فإنه سيقابل هناك فريدريش ميرتس وسيباستيان كورتس وغيرهما من "متطرفي أحزاب الوسط الأوروبية".

 

شتيفان بوخن

ترجمة: حسام الحسون

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

شتيفان بوخن صحفي استقصائي ألماني بارز يعمل لمجلة بانوراما التابعة للقناة التلفزيونية الألمانية الأولى أيه آر دي ARD.
 
 

 

 

 

 
 
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة