ما من نتيجة جيدة للولايات المتحدة هنا: فيمكنها إما أن تعزّز انخراطها في أمن الشرق الأوسط (الأمر الذي يتعارض مع ضروراتها الاستراتيجية الكبرى)؛ أو مفاقمة أزمة الثقة بين محمد بن سلمان وبايدن؛ أو الحدّ من خسائرها وإبرام اتفاق مع إيران قائم على تفاهم مفاده أن طهران ستوقف الهجمات التي يشنّها الحرس الثوري الإيراني على المنشآت النفطية في حال سُمِح بعودة النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية.

لنسلّط الضوء قليلًا على حجم الكارثة التي صنعها السعوديون والإماراتيون لأنفسهم. فهم اعتقدوا أن تلقّي السلاح والتدريب من الولايات المتحدة سيمنحهم الأفضلية الاستراتيجية التي تتمتع بها واشنطن أثناء خوض حروبهم الخاصة. لكن الولايات المتحدة حين تضيق ذرعًا بنزاع ما في المنطقة، تقرّر ببساطة الانسحاب، كما حدث في أفغانستان. أما في حالة السعودية والإمارات في المقابل، فسيبقى اليمن دومًا جارًا لهما. وهو يضم ثلاثين مليون نسمة معظمهم من اليمنيين، مقارنةً مع المواطنين الإماراتيين الذين لا يتجاوز عددهم المليون نسمة، والمواطنين السعوديين الذين يبلغ عددهم اثنين وعشرين مليونًا. ويعاني اليمن اليوم سلسلة من الصدمات والتظلّمات. وستستمرّ هذه الأزمة – أزمتهما - حتى الجيل المقبل، وربما لفترة أطول بعد.

 

الشواف: إذا كانت السعودية والإمارات في طور اتّخاذ قرار استراتيجي بالتحوّل تدريجيًا بعيدًا عن الولايات المتحدة بسبب الانكفاء الجزئي لواشنطن في الشرق الأوسط، هل يعني ذلك أنهما غير مهتمّتَين بانتزاع تنازلات طويلة الأمد من واشنطن؟

البغدادي: أي نوع من التنازلات الطويلة الأمد؟ والأهم، بأي أوراق ضغط؟ سيكون من المجدي أن يقبل السعوديون والإماراتيون بأن واشنطن بحاجة إلى خفض التزاماتها في المنطقة، وأن يسهموا في بناء منظومة أمنية إقليمية جديدة بالتنسيق مع الأميركيين. وهذا ما دعا إليه أوباما نوعًا ما حين قال إن على المنطقة أن توفّر أمنها الخاص. لكن، ليس هذا ما يحدث الآن، إذ نشهد بدلًا من ذلك صعود محور سعودي-إماراتي-إسرائيلي جديد وغير مُعلَن يبدو أنه يركّز ليس فقط على احتواء إيران، بل أيضًا على مساندة الثورات المضادة في مختلف أرجاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفيما يبدو أن الولايات المتحدة تنظر بعين الرضا إلى آفاق التعاون العربي-الإسرائيلي، إلا أن الوضع الراهن يُنبئ بمزيد من اللااستقرار، وليس العكس، ذلك أن المحور السعودي-الإماراتي-الإسرائيلي، مهما أُشيد به، يُعتبر طرفًا عدائيًا، وليس قوةً تسعى إلى تحقيق السلام والاستقرار.

 

صورة مركَّبة  الزعيم الإيراني آية الله علي خامنئي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان. Bildkombo Ajatollah Ali Chamenei und Mohammed bin Salman Foto picture Alliance and office of Chamenei
تفكير إيران الاستراتيجي: هجمات الحوثيين وأهدافهم (منشآت النفط السعودية) كشفت جوانب كثيرة من تفكيرهم الاستراتيجي، أو بالأحرى من تفكير إيران الاستراتيجي … . لنفكّر في النتائج التي يحصدها الحرس الثوري الإيراني من شنّ هجمات على منشآت النفط: أولًا، في حال تسبّبت الهجمات بأضرار كفيلة بتعطيل الإنتاج، فهذا سيحرم السعودية من بعض إمداداتها النفطية. ثانيًا، يفاقم هذا الأمر النقص الحاصل في إمدادات النفط، وبالتالي تزداد الحاجة لإدخال النفط الإيراني إلى الأسواق مجدّدًا. ثالثًا، يفاقم ذلك أزمة الثقة بين السعودية والولايات المتحدة. فستزداد الضغوط على واشنطن لمساعدة الرياض على الرغم من تعنّت الموقف السعودي بشأن إمدادات النفط، وعلى الرغم من حاجة الأميركيين إلى النفط الإيراني وإلى إعادة إحياء الاتفاق الإيراني لتحقيق فك ارتباطهم في المنطقة. وستزداد أيضًا الضغوط على السعودية من أجل السعي للحصول على مساعدة الولايات المتحدة فيما تشنّ، للمفارقة، حربًا نفطية عليها، كما يقول إياد البغدادي.

 

كذلك، لست واثقًا ممّا إذا اتّخذ السعوديون والإماراتيون فعلًا قرارًا استراتيجيًا بالتحوّل بعيدًا عن الولايات المتحدة، ذلك أنهم ببساطة لا يتحمّلون القيام بخطوة كهذه. صحيحٌ أنهم يحاولون التموضع إلى جانب سياسات القوى العظمى الناشئة، لكن في الواقع، تُعتبر روسيا بقيادة بوتين قوة آفِلة يوازي حجم اقتصادها نصف اقتصاد كاليفورنيا، ناهيك عن أنها لا تملك أوراق ضغط سوى السلاح النووي والغاز. أما الصين بقيادة شي جين بينغ فهي دولة تجارية في الغالب تتجنّب خوض غمار التعقيدات الجيوسياسية البعيدة عنها جغرافيًا، ولن ترسل أبناءها ليموتوا دفاعًا عن محمد بن سلمان ومحمد بن زايد. يُضاف إلى ذلك أن موسكو وبيجينغ تجمعهما علاقات استراتيجية وثيقة بطهران.

من المضحك رؤية الذيل يحاول أن يهزّ الكلب، لكن في هذه الحالة قرّر الذيل التصرّف من تلقاء نفسه وبذل قصارى جهده للانتقام من الكلب، لا بل هو يظهر للكلب أن ثمة كلابًا آخرين يمكنه التعلّق بها – لاحظ مثلًا دعوة شي لزيارة الرياض. نتابع في مركز الكواكبي عن كثب هذه التطورات ولاحظنا تصرّفات كثيرة من قبيل "إذا خسرتمونا نحن، فستخسرون"، و"أنتم بحاجة إلينا، لسنا نحن فقط من يحتاج إليكم". لكن المعنى الضمني هو التالي: "لماذا لم تعودوا تريدوننا كما كنتم تريدوننا في السابق؟ نرجو أن تكونوا بحاجة لنا كما نحن نحتاجكم".

خلاصة القول إن التفكير الاستراتيجي للسعوديين والإماراتيين حيال الولايات المتحدة لا يبدو قائمًا على أهداف طويلة الأمد، بل يركّز على ممارسة ضغوط قصيرة الأمد. هم يحاولون ليّ ذراع الولايات المتحدة كي تمتثل لإرادتهم كما فعلوا في عهد ترامب، حين حاولوا استخدام الإدارة الأميركية ضد إيران وقطر ومعارضيهم في الداخل. لكن حتى مع استراتيجية الضغوط القصوى، لم تحقّق هذه الجهود سوى نتائج محدودة ولم تحوّل مسار الأمور بشكل حاسم. لنفترض جدلًا أنهم نجحوا في ليّ ذراع بايدن هذه المرة، لكن سيبقى السؤال: ما هي خطتهم على المدى الطويل؟ وأين يرَوْن أنفسهم بعد عشر سنوات؟ أو بعد عشرين سنة؟

في الوقت الراهن، أصبحت علاقات الولايات المتحدة مع الدول النفطية الحليفة لها تجارية الطابع بعد أن كانت في السابق مؤسسية. إذًا، كانت علاقات مبنيّة على تحالفات طويلة الأمد، غير أنها باتت اليوم قائمة على مطالب قصيرة الأمد. كانت علاقات مبنيّة على الثقة، وأصبحت اليوم قائمة على فقدان الثقة والمزايدة. لا يجوز الاستهانة بقوة احتياطيات النفط العربية، لكن على الحكّام الدكتاتوريين العرب أيضًا ألّا يستخفّوا بحجم الامتعاض الذي يثيرونه في نفوس المواطنين الأميركيين والأوروبيين العاديين. وعليهم حتمًا ألّا يستخفّوا بالسياسات غير المستدامة التي يتّبعونها والتي سترتدّ عليهم بتبعات خطيرة على مدى السنوات العشرين المقبلة.

 

 

حاوره: ريان الشواف

حقوق النشر: مؤسسة كارنيغي 2022

 

ar.Qantara.de

 

لا تتّخذ مؤسسة كارنيغي مواقف مؤسّسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الدراسة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر المؤسسة، أو فريق عملها، أو مجلس الأمناء فيها.

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة

الأنظمة العربية.... من مشاريع قومية الى مزارع عائلية

الثورات المضادة أحدثت انتكاسة هائلة في العالم العربي

عودة مصر إلى العسكريتاريا الشعبوية: مصر من ثورة يناير إلى الإخوان ثم السيسي

الدكتاتوريات العسكرية هي العدو الأول لثورات الربيع العربي

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة