وهذا يصب أيضًا في مصلحة موسكو، وذلك لأنَّ العرب الناطقين باللغة الروسية، الذين تم إعدادهم أكاديميًا في روسيا في العهد السوفييتي -وكانوا بعد ذلك يشغلون أحيانًا مناصبً مؤثِّرة في أوطانهم- قد تقاعدوا الآن في أغلب الحالات، على الرغم من كونهم لا يزالون يشكِّلون دعامةً مهمة لروسيا ويمكن جعلهم "سفراء" للثقافة الروسية ومصالح الدولة الروسية في العالم العربي. وهم ينقلون معارفهم واتصالاتهم إلى جيل الشباب، ليس فقط ضمن سياق رابطات الخريجين ذات الصلة، بل أيضًا من خلال المنشورات التي تلقي الضوء عن طيب خاطر على العلاقات الروسية العربية.

وفي هذه المنشورات وكذلك في مشاريع المعارض تحاول روسيا -وغالبًا مع تهميش واسع النطاق للحقبة الشيوعية- إبراز الروابط الثقافية المستمرة منذ قرون من الزمن بين الروس والعرب.

Treffen von Assad und Putin im November 2017 in Sotschi; Foto: Reuters/Sputnik/M. Klimentyev
محور دمشق-موسكو التاريخي: احتفل الطرفان مؤخرًا بإحياء التحالف العسكري بين الشعبين السوري والروسي وانتصارهما المشترك على "الإرهاب" - مثلاً في معارض للتصوير الفوتوغرافي مثل معرض "سوريا ستنتصر"، الذي تم عرضه في العديد من المدن الروسية وفي دمشق.

وفي حالة فلسطين يتحدَّث الروس حتى عن رابطة تمتد لآلاف السنين بين روسيا والأراضي المقدَّسة. تمثِّل السلطة الوطنية الفلسطينية أرضًا سهلة بالنسبة لموظفي الثقافة في موسكو، وذلك لأنَّ موسكو لديها هناك صديق بارز بصفة خاصة، هو الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي كان عضوًا في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية عندما كان يتم دعمها من قِبَل الاتِّحاد السوفييتي.

لقد درس محمود عباس التاريخ في موسكو، وقدَّم هناك في الثمانينيات أطروحة الدكتوراه التي كتبها بروح مناهضة الفاشية التي تفرضها الدولة، وتناول فيها "العلاقات السرِّية" بين النازيين والصهاينة.

ومن جانبه قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة محمود عباس في عام 2005 في رام الله، وفي عام 2010 حصلت روسيا في أريحا على قطعة أرض كبيرة من الممتلكات القديمة العائدة للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، بنت عليها المتحف التاريخي الروسي مع حديقة واسعة المساحة. كما تمت تسمية الشارع الذي يقع فيه هذا المتحف على اسم الرئيس الروسي في ذلك الحين ديمتري ميدفيديف، الذي زار بدوره أريحا في عام 2011 من أجل افتتاح هذا المتحف رسميًا.

كيف تغلـَّب الروس والسوريون سويةً على "الإرهاب"

بهذا المتحف تسعى روسيا إلى تعزيز وجودها في الأراضي المقدَّسة، مثلما ذُكر أثناء زيارة بوتين المجدَّدة للأراضي الفلسطينية في عام 2012. ويوحي كلّ قسم من قسمي المتحف بطريقتهما الخاصة إلى أنَّ هذه العلاقة موجودة منذ فترة طويلة جدًا.

على سبيل المثال تُعرض في هذا المتحف صور تاريخية لحُجَّاج روس زاروا القدس في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وكانوا مثلاً يلتقطون لأنفسهم صورًا عند الحرم القدسي. ومن ناحية أخرى يتم عرض مكتشفات أثرية تم اكتشافها في أرض المتحف تعود إلى كنيسة بيزنطية. 

وفي أسلوب البيزنطية الجديدة، الذي تروِّج له الدولة الروسية، يتم إبراز العلاقة الممتدة لآلاف السنين بين الروس -باعتبارهم الوريث التاريخي لبيزنطة- والأراضي المقدَّسة. وبالنسبة للحُجَّاج الروس الذين يزورون المناطق المقدَّسة فقد أضحى هذا المتحف منذ فترة طويلة محطة إجبارية.

ومثلما هي الحال في دمشق فقد تم افتتاح مركز للغة والثقافة الروسية في مدينة أريحا أيضًا في شهر تشرين الأوَّل/أكتوبر 2017 في جامعة الاستقلال. وقد دعا إلى افتتاح هذا المركز في أريحا رئيس مجلس أمناء جامعة الاستقلال توفيق الطيراوي.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.