سيرة داعية الظل في تركيا
فتح الله غولن: "أعوذ بالله من الشيطان والسياسة"

على مدى عقود، كان فتح الله غولن، اللاعب الأبرز في الحياة السياسية التركية، مستفيدًا من مهاراته الخطابية، ومن قيادته لتنظيم اجتماعي اقتصادي متغلغل في التعليم والإعلام والاقتصاد بشكل كبير، حتى أصبح الرجل الذي تُلقى عليه في تركيا اتهامات شتى، من التغلغل في الدولة إلى الوقوف خلف محاولة انقلاب العام 2016. فمن هو هذا الداعية، وأين بات موقعه وموقع جماعته في السياسة التركية اليوم؟

«أعوذ بالله من الشيطان والسياسة»

مقولة، منسوبة للمفكر الإسلامي بديع الزمان سعيد النورسي، تبناها فتح الله غولن وتنظيمه شعارًا

 

في ليلة الخامس عشر من تموز عام 2016، كنتُ في مدينة صقاريا التركية، طالبًا جامعيًا في العشرين من عمره. فجأةً سمعت أصوات انفجارات مرتفعة، وكفلسطيني من غزة كانت ردة فعلي الأولى هي القفز من سريري نحو النافذة. ومن على نافذة غرفتي في السكن الجامعي الذي

يقع على تلة مطلة على المدينة كان المشهد مرعبًا، أصوات، الكثير من الأصوات، تحليق مكثف للطائرات، انفجارات، هتافات بشرية جارفة تأتي كسيل جارف من أمام الثكنات العسكرية. لم أفهم جيدًا ما يحصل، ولكن حينما أمسكت هاتفي كانت الأخبار على تويتر تتحدث عن انقلاب عسكري في تركيا.

وهناك، كانت المرة الأولى التي أسمع فيها اسم فتح الله غولن، ذلك الاسم الذي سيتكرر مرارًا طوال السنوات الأخيرة.

في السنوات التي تلت المحاولة الانقلابية أصبح وصف «FETÖ’cü» (ويلفظ فتوجو) الذي اعتمدته تركيا رسميًا لوصف أعضاء تنظيم غولن، أحد أبرز الشتائم السياسية التي تُوظّفها مختلف التيارات والأحزاب السياسية للنيل من خصومها وتحقيرهم. ويعني هذا التعبير حرفيًا: عضو تنظيم فتح الله غولن الإرهابي. ويشير هذا الوصف والتوظيف السياسي المكثف له بشكل مباشر إلى التموضع الجديد لغولن وتنظيمه في السياسة والمجتمع داخل تركيا اليوم، بعد أن ظل لعقود يلقَّب لدى شريحة واسعة تتجاوز مريديه وتنظيمه «Hocaefendi» (ويلفظ هوجا أفندي) ويعني حرفيًا: حضرة الأستاذ/ الشيخ.

غولن، الذي بدأ مسيرته إمام مسجد وداعيةً، استطاع خلال عقودٍ من نشاطه في المجال العام بناء إمبراطورية ضخمة عُرفت باسم جماعة غولن أو «الجماعة» فقط أو «حركة الخدمة»، بحسب التسمية المفضّلة لدى أعضائها. وهي تنظيم متعدد الأذرع ينشط أساسًا في الظل، وتمكّن لسنوات من التأثير بفاعلية على شتى مناحي الحياة في تركيا، بل وحتى خارجها. تسعى هذه المقالة إلى رسم بورتريه لمسيرة فتح الله غولن، في محاولة لتتبع مواقفه وتقلباته طوال تجربته، وفهم موقعه في النقاش العام في تركيا خاصة خلال مرحلتيْ صعوده سابقًا وسقوطه اليوم.

وفي هذا السياق فإن محاولة تناول سيرة معقدة وجدلية مثل سيرة فتح الله غولن مهمّة عسيرة. فسيرة الرجل ليست مقتصرة على مواقفه الفكرية وأطروحاته النظرية فقط، إذ إنها مرتبطة كذلك بالتنظيم الضخم العابر للحدود الذي أسسه وقاده طوال عقود. وفي الوقت نفسه وعند النظر إلى موقع غولن في تركيا اليوم، يُرى بوضوح أن الرجل، ولا سيما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز 2016، بات أحد أبرز أعداء -وشياطين- النظام الرسمي وربما المجتمع في تركيا أيضًا.

 

البدايات: التعليم والإعلام في خدمة الشيخ والجماعةذ

 

بدأت مسيرة غولن التنظيمية والقيادية في أواسط ستينيات القرن الماضي. إذ إن غولن حظي منذ طفولته في مدينة أرضروم المحافظة شرق تركيا بتنشئة دينية صارمة في أسرة متدينة متأثرة بأفكار المفكر الإسلامي بديع الزمان سعيد النورسي.[1] 

عملَ غولن لسنوات إمامًا وداعية في مختلف أنحاء تركيا، وأسس قاعدةً واسعةً من المريدين والأتباع منذ تلك الفترة، مستفيدًا من مقدراته الخطابية والتي برزت في خطبه في المساجد والمقاهي، والتي كان يجري تداولها عبر الأشرطة الصوتية، كما استفاد من قدراته التنظيمية الكبيرة، فعقد المؤتمرات الدينية والمخيّمات الصيفية، وقد ساهمت هذه المخيّمات التي حملت اسم «مخيمات النور» في استقطاب أطفال العائلات الفقيرة الذين سيشكلون شريحة مهمة من أتباعه وذلك في سياق ما نظَّرَ له غولن تحت شعار «إنشاء الجيل الذهبي». هذه الوسائل جميعها لعبت دورًا مهمًا في تكوين الأرضية الجماهيرية والتمويليّة الأولى لجماعته.

اليوم يجلس الداعية «اللاسياسي»، الذي ظل غارقًا حتى جبينه في مختلف قضايا وصراعات البلاد السياسية، ليشاهد ركام إمبراطوريته المتداعية من منفاه الأمريكي.

 

ومنذ بدايات عقد الثمانينيات، وتحديدًا مع تحول الدولة التركية نحو الليبرالية وانفتاحها على مؤسسات المجتمع المدني بعد انقلاب العام 1980 (الانقلاب الذي امتدحه غولن)،[2] استثمرت الجماعة في توسيع نشاطاتها في مجالات التعليم[3] والعمل المجتمعي، مؤسِّسةً مع الوقت شبكة واسعة من المدارس، جمعت بين التعليم الديني والوضعي، وكذلك سكنات الطلاب، والمراكز التحضيرية.[4] هذه المؤسسات التي انتشرت في تركيا ودول أخرى وبلغ عددها المئات، أسهمت في تمويل الجماعة وزيادة نفوذها، ليس في تركيا فحسب، بل وفي أماكن مختلفة من العالم.

 

الداعية الإسلامي فتح الله غولن . الصورة بيتتشل اليانس + دزب ا
الداعية التركي فتح الله غولن، الذي بدأ مسيرته إمام مسجد وداعيةً، استطاع خلال عقودٍ من نشاطه في المجال العام بناء إمبراطورية ضخمة عُرفت باسم جماعة غولن أو «الجماعة» فقط أو «حركة الخدمة»، بحسب التسمية المفضّلة لدى أعضائها. وهي تنظيم متعدد الأذرع ينشط أساسًا في الظل، وتمكّن لسنوات من التأثير بفاعلية على شتى مناحي الحياة في تركيا، بل وحتى خارجها. تسعى هذه المقالة إلى رسم بورتريه لمسيرة فتح الله غولن، في محاولة لتتبع مواقفه وتقلباته طوال تجربته، وفهم موقعه في النقاش العام في تركيا خاصة خلال مرحلتيْ صعوده سابقًا وسقوطه اليوم.

 

كما دخلت الجماعة ساحة الإعلام. حيث أسست ما عُرف لاحقًا باسم مجموعة سمانيولو الإعلامية عام 1983، التي امتلكت عبر السنين عشرات القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية مثل «قناة سمانيولو تي في» التي كانت لسنوات واحدة من أشهر القنوات التلفازية في تركيا. كما وسيطرت الجماعة عام 1987 على مجموعة فضاء الصحفية التي امتلكت عشرات الصحف والمجلات والمواقع الإخبارية، داخل تركيا وخارجها. وأشهر هذه الصحف هي «صحيفة زمان»، التي كانت تطبع وتوزع بعدة لغات في العديد من الدول، بل وكانت أكثر الجرائد التركية مقروئية عام 2012 مثلًا.

وهكذا فإن غولن، الذي دخل المجال العام في تركيا بداية بوصفه رجل دين نشاطه الرئيس هو الدعوة والتبليغ، تمكن من خلال قدراته الخطابية والتنظيمية من تأسيس جماعة ضخمة كانت واحدة من أكبر الجماعات -إن لم تكن أكبرها- في تركيا خلال العقود الماضية.

صعود غولن وجماعته: السياسة من الظلّ

في التسعينيات وسّع غولن من نشاطه، وبدأت الجماعة مرحلة الصعود، داخليًا وخارجيًا، ومع انفصال جمهوريات الاتحاد السوڤيتي الناطقة بالتركية في وسط آسيا توجه غولن نحو توسيع نشاطه في مناطق الوجود العرقي والثقافي التركي في وسط آسيا والقفقاس والبلقان، ومنها مع الوقت إلى مختلف بقاع العالم. كما وسعت الجماعة نشاطها الاقتصادي، فجمع غولن حوله شبكة واسعة من رجال الأعمال[5] الداعمين والمتعاطفين وأسس في هذه المرحلة شركات تأمين وتمويل مختلفة إضافة إلى بنك آسيا، الذي سيصبح واحدًا من أكبر بنوك تركيا.

وفي ظل هذه التطورات والنمو المطرد في قاعدة مريدي غولن وجمهوره، زاد نشاطه على الساحة السياسية، وصار أحد أهم اللاعبين في السياسة التركية، كما يلاحظ من العلاقات القوية التي نسجها مع سياسيي تلك الفترة من مختلف التوجهات، حيث يبرز من بينهم رؤساء ورؤساء وزراء مثل تورغوت أوزال وسليمان دميرل وبولنت أجويد. كما صار ضيفًا متكررًا ومرموقًا لدى مختلف القنوات والصحف في تركيا.

ومع انقلاب شباط 1997، الذي انقلب فيه الجيش على حكومة نجم الدين أربكان، أول رئيس وزراء إسلامي في تركيا، وهو الحدث الذي يمكن عدّه أبرز أحداث عقد التسعينيات المليء بالاضطرابات، من المهم النظر إلى موقف غولن. إذ كان الرجل من أوائل داعمي الانقلاب، فدعا أربكان وحكومته إلى الاستقالة ودافع عن الجيش على اعتبار أنهم يطبقون الصلاحيات التي منحها لهم الدستور وأن ما يقومون به هو «اجتهاد حسب الشريعة الإسلامية» ووفق ذلك «فحتى لو أخطأوا فلهم الأجر».

ورغم هذه المواقف المداهنة للجيش ودعم بعض السياسيين العلمانيين (بولنت أجويد مثالًا) إلّا أن غولن لم يستطع إقناع الجيش باستثنائه من الحملة ضد الإسلاميين حينها والتي طالتهم دون تفريق. إذ وفي أوساط عام 1999 سُرِّبت تسجيلات لغولن يُشجّع فيها أتباعه على التغلغل داخل كوادر الدولة لكشف نقاط ضعف النظام العلماني «وتأمين مستقبل الإسلام»، مشددًا على ضرورة أن يعملوا بسرية ومرونة من باب «أننا لو كنا بارزين فستكون نهايتنا كالجزائر». 

فُسرت هذه التصريحات وغيرها على أنها محاولة لإسقاط النظام العلماني من الداخل ليصبح بذلك غولن عدوًا للنظام المتطرّف في علمانيته. واعتبرت قيادة الأركان في الجيش التركي، اللاعب الرئيس في السياسة التركية حينها، غولن ومريديه «خطرًا» على الدولة التركية. ليغادر تركيا في نفس السنة في «رحلة علاجية» إلى الولايات المتحدة، حيث يقيم منذ ذلك الحين فيما يشبه المنفى الاختياري.

 

 

اقرأ/ي أيضًا |

 

من هو فتح الله غولن المتهم بأنه العقل المدبر لانقلاب تركيا؟

في نقد رئيس تركيا - شبه بين أتاتورك وإردوغان

تركيا: علاقة بين المافيا والدولة العميقة؟

"الإسلاميون اللطفاء"...ما هي "حركة غولن" ولماذا تراقبها السلطات الألمانية؟

من يقرر السياسة التركية الخارجية؟ 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة