ومع ذلك فقد بذل هذه المرة صنَّاع هذا الفيلم بحسب زعمهم جهودًا كبيرة من أجل تجنُّب الصور النمطية العنصرية، التي كانت لا تزال واضحة في فيلم الرسوم المتحرّكة المنتج في عام 1992. إذ لم تعد توجد في الفيلم إشارات صريحة إلى الإسلام، بصرف النظر عن أنَّ الأماكن تعتمد بوضوح على الأماكن التي نعرفها من العمارة الإسلامية. حيث تشير الأبراج العديدة إلى المآذن، ويشبه قصرُ السلطان كنيسة آيا صوفيا (في إسطنبول).

الشرق كمكان للحنين والشوق

ولكن هل هذا سيّءٌ في حدِّ ذاته أم أنَّ له أيضًا أثرًا سلبيًا فقط؟ صحيح أنَّ هذا الشرق الخيالي يمثِّل عالمًا آخر غريبًا، غير أنَّه ليس عالمًا نخشاه ونواجهه بالإسلاموفوبيا، بل هو وعلى العكس من ذلك عالمٌ نشتاق إليه. وإن لم يكن الأمر كذلك فإنَّ منظمي الرحلات السياحية لن يستطيعوا الدعاية إلى موضوعات مشابهة، وكذلك لن تتمكَّن شركة والت ديزني من إشباع الرغبات الطائشة لجمهور السينما العالمي. لقد كان الشرق ولا يزال مكانًا للشوق - على على الأقل بالنسبة للغرب. وهذا لا يمكن اعتباره بأية حال من الأحوال موقفًا سلبيًا.

وبالمناسبة هذا الفيلم الجديد مبالغٌ فيه إلى درجة أنَّه لم يعد يبدو نمطيًا وحسب، بل يبدو في الوقت نفسه كمحاكاة ساخرة غامزة للصورة النمطية عن الشرق - إن لم نقل إنَّها إشارة بالغة الوضوحية بصورة غير مباشرة. يمكن ملاحظة ذلك في فيلم سنة 2019 المصوَّر مع ممثِّلين حقيقيين أيضًا من خلال حقيقة أنَّهم لا يمثِّلون أدوارهم فقط، بل يمثِّلون شخصياتهم باستمرار أيضًا: على سبيل المثال الممثِّل ويل سميث في دور جنِّي يُغنِّي موسيقى الراب.

زد على ذلك أنَّ علاء الدين ليس مجرَّد بطل القصة المحبوب، بل إنَّ اسمه يبيِّن وبكلِّ وضوح أنَّه مسلمٌ وعربي. ربما يكون قد تم صبغه - مثلما يقول النقَّاد - بأسلوب الشاب الأمريكي الأبيض، إلَّا أنَّه يبقى بطل عالم خيالي، لا أحد فيه فوق العرب والمسلمين. ولذلك فإنَّ أية محاولة من أجل استغلال هذه القصة لأهداف عنصرية ستكون - بسرعة كبيرة - محاولة محدودة.

إصابة نقطة حساسة

ومع ذلك فقد أصابت انتقادات "مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية" نقطةً حسَّاسة، وذلك من خلال إشارته إلى أنَّ مادة قصة علاء الدين في حدِّ ذاتها تطرح بالفعل الصور النمطية العنصرية والاستشراقية. يعيش علاء الدين بحسب النسخة الأصلية في الصين، أمَّا الساحر الشرير، الذي يندمج في الفيلم مع الوزير الشرير (على العكس من نسخة غالاند)، فهو أفريقي. ما من شكّ في وجود عنصرية هنا، وذلك لأنَّ: لا العرب ولا الأوروبيين كانوا في القرن الثامن عشر ينظرون باحترام كبير إلى الأفارقة السود. وبالمناسبة حتى اليهود توجد لهم ببساطة صورة سيِّئة في النسخة الأصلية.

 

صورة من نسخة فيلم 2019  "علاء الدين والمصباح السحري" - بطوله الممثل الأمريكي ويل سميث.
حِيَلُ علاء الدين توقع الآن بهوليود أيضًا: "فيلم سنة 2019 مبالغٌ فيه إلى درجة أنَّه لم يعد يبدو نمطيًا وحسب، بل يبدو في الوقت نفسه كمحاكاة ساخرة غامزة للصورة النمطية عن الشرق - إن لم نقل إنَّها إشارة بالغة الوضوحية بصورة غير مباشرة. يمكن ملاحظة ذلك في الفيلم الجديد المصوَّر مع ممثِّلين حقيقيين أيضًا من خلال حقيقة أنَّهم لا يمثِّلون أدوارهم فقط، بل يمثِّلون شخصياتهم باستمرار أيضًا: على سبيل المثال الممثِّل ويل سميث في دور جنِّي يُغنِّي موسيقى الراب"، مثلما يكتب شتيفان فايدنَر.

 

{التعامل مع مادة قصة علاء الدين تقليدي في الغرب لأن مصدر الحكاية ليس اللغة العربية بل اللغة الفرنسية، إذ يعود تاريخها إلى عام 1712 لكتاب فرنسي يُمثِّل أول ترجمة لـ"ألف ليلة وليلة" إلى اللغة الفرنسية للمستشرق الفرنسي أنطوان غالان.}

 

إنَّ العنصرية الفعَّالة في مادة هذه القصة مثلما هي الحال في العديد من مواد القصص والحكايات القديمة، ليست غربية أو استشراقية بشكل خاص، بل هي كذلك عربية وإسلامية بطبيعتها. ولذلك يجب علينا أن نعترف بوجود عنصرية في مادة قصة علاء الدين، ولكن يجب علينا الاعتراف أيضًا بأنَّ هذه العنصرية ليست خاصية من خصائص الثقافة الغربية، حتى لو ظهر في يوم ما أنَّ قصة علاء الدين هي مجرَّد اختراع من المستشرق أنطوان غالان. إذ إنَّ التاريخ العربي والإسلامي يظهر فيه ما يكفي من التحفُّظات العنصرية والصور النمطية المتعلقة بالأفارقة واليهود، الموجودة أيضًا في قصص "ألف ليلة وليلة"، التي لها بوضوح أصول عربية.

ولذلك فإنَّ تصوير فيلم علاء الدين لا يبدو مناسَبة صحيحة من أجل أن نضرب هوليوود بمدافع انتقادية ثقافية كبيرة. بدلًا من ذلك يجب علينا أن نسأل أنفسنا إلى أي مدى فقدنا القدرة على تحمُّل الغموض وماذا فَعَل بنا عقدان من الحرب على الإرهاب طالما أنَّنا بتنا نستغل مثل هذا الفيلم كفرصة من أجل محاسبة الذات.

على الرغم من بشاعة العنصرية والصور النمطية دائمًا في الفنّ، لكن يبدو من المنطقي أكثر أن تتم محاربة العنصرية الموجودة على أرض الواقع في حياتنا اليومية، بدلًا من محاربة تلك العنصرية الموجودة في القصص والحكايات القديمة.

 

 
شتيفان فايدنَر
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

 
شتيفان فايدنَر باحث في العلوم الإسلامي. يصدر له قريبًا كتابه: "ألف كتاب وكتاب - آداب الشرق"، عن دار نشر إديتسيون كونفيرسو.

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.