هانا كاوياني، المقيمة في براغ / جمهورية التشيك، هي واحدة من كبار صحفيي راديو فاردا، الفرع الإيراني لراديو أوروبا الحرة المموّل من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

صحفية إيرانية عن احتجاجات إيران
"رفض الشعب للامتثال - تغيير يتجاوز اللحظة"

احتجاجات في أسبوعها الثالث إثر وفاة مهسا أميني من دون مؤشر على استعداد طهران لتلبية مطالب يتردد صداها بالشوارع. حوار مع هانا كاوياني مراسلة راديو فاردا القسم الفارسي. حاورها إريك زيغل لموقع قنطرة.

لقد أعدّدتِ تقارير عن العديد من الاحتجاجات في إيران منذ عام 2008. هل وجدت أي جديد أو فريد في احتجاجات هذه المرة؟

هانا كاوياني: من الصعب اتّباع نهج تحليلي تجاه شيء لا تزال معالمه تتّضح. لكنني أرى هذه الاحتجاجات بوصفها "متوقعة" و"غير متوقعة" على حدٍّ سواء. لقد غطيت أخبار إيران في إذاعة فاردا/إذاعة أوروبا الحرة خلال السنوات الـ 15 الماضية، وإن كان من خارج إيران. وبالإضافة إلى القصص الكبيرة، فإنني أحاول التقاط أجزاء صغيرة متنوعة من المعلومات حول ماهية الحياة، وحول الثقافة أو الأحداث اليومية في مدينتي طهران، ولا سيما فيما يتعلق بالنساء. ينبغي أن أضيف أنّ إيران هي بلد شديد التنوّع: وقد تكون ملاحظاتي حول مكان ما محدودة القيمة في مدينة أو منطقة أخرى. بيد أنّني أشعر أنّ المدينة التي تركتها في عام 2007 لم تعد موجودة، لقد تغيّر الكثير فيما يتعلّق بالجيل الجديد ووسائل الاتصال الرقمية.

إذاً ما الذي كان ينبغي توقّعه؟ فالاستياء الشعبي يتراكم منذ فترة طويلة. وليس هذا مفاجئاً في أعقاب الاحتجاجات الكبيرة في عام 2019 والتدهور الاقتصادي المستمر لإيران. من ناحية أخرى، وعلى النقيض من احتجاجات عام 2019، يحدث شيء جديد. فقد اعتدنا على رفض جيل الشباب بوصفه "غير مسيّس" و"سطحي" بعض الشيء، وأكثر اهتماماً بالواقع الافتراضي لمنصات الدردشة أو الانستغرام أو التيكتوك أو الموسيقى على تطبيق Spotify. لقد فشلنا في إدراك أنّ هذا الجيل يريد أيضاً فرصة ليعيش حياة أفضل، ومن هنا جاءت حاجة الشباب للقيام بخطوة وتأكيد وجوده.

 

احتجاجات شعبية: مزيج من عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية

 

كيف يمكننا أن نفهم القلاقل التي تتجاوز حالة مهسا أميني المحدّدة للغاية وموتها المأساوي؟

كاوياني: إنّ شعور الاستياء والأسباب التي قدّمها الناس حول انضمامهم للاحتجاج افتراضياً أو في الشوارع متنوعة حقاّ. ويتّضح هذا من خلال الانتشار المذهل لهاشتاغ مهسا أميني. إذ يوجد بالفعل أكثر من 100 مليون منشور ضمنه، عبّر فيهم الناس عن آرائهم الفريدة والشخصية. وعلى موقع تويتر، يمكن العثور على تغريدات مثل: "من أجل أمي، التي كان عليها دائماً إخفاء شعرها الجميل تحت وشاح"، "من أجل المواهب المسجونة"، أو "من أجل البيئة". فالأسباب التي قدّمها المشاركون لمشاركتهم في الاحتجاجات، تكاد تكون متعدّدة بمقدار تعدّد الأفراد المشاركين.

 

 

من الواضح أنّ هذا الجيل الجديد من الشباب ليس لديه أي أمل في الحصول على عمل مناسب، أو شراء منزل أو الزواج. آفاقهم الاجتماعية-الاقتصادية سيئة للغاية. ومن الطبيعي أنّ تلعب الحالة البائسة للاقتصاد دوراً أساسياً. وعلى خلاف احتجاجات عام 2019، فإنّ مجموعة الأسباب التي يُعبَّرُ عنها هذه المرة أكبر بكثير. فالجيل الأصغر لا يتمتّع بأي استقرار اقتصادي أو اجتماعي. يقلُّ ما يكسبه الناس بالقيمة الفعلية شيئاً فشيئاً (إن كانوا يكسبون أي شيء على الإطلاق). ومن يعرف؟ يمكن أن يُلقَى القبض عليك في الشوارع من قبل شرطة الأخلاق، وتُحتجز وتموت.

 

تُشير التجارب السابقة إلى أنّ الحكومة الإيرانية ستقمع هذه الاحتجاجات مهما كلّف الثمن. وقد أُبلِغ بالفعل عن عشرات الضحايا. ورغم صعوبة التنبؤ، لكن ماذا تعتقدين سيحصل تالياً. ما هي السيناريوهات المحتملة؟

كاوياني: للأسف، لن يكون أمراً مفاجئاً إن تبيّن أنّ الحملة التي تجري الآن ستشكّل سيناريو الأيام قادمة، إن لم يكن الأسابيع القادمة. من الصعب التنبؤ إلى أين سيؤدي هذا، بيد أنّ هناك أمراً واحداً واضحاً: لا يمكننا نسيان ما سبق ورأيناه بالفعل. صحيح أنّ النساء كنّ يخلعن أحجبتهن قبل مقتل مهسا أميني، بيد أنّ ما تفعله الفتيات والنساء الآن، من مغادرة المنزل من دون حجاب إلى إشعال النار فيه وحتى الرقص حول أكوام من الأحجبة المحترقة، يرسل رسائل مختلفة تماماً.

وبغضّ النظر عما سيحدث بعد ذلك، فالسؤال هو كيف سيواجه النظام هذا الواقع الجديد؟ حتى لو نجحت الحملة، فقد تغير شيء أساسي، رغبة المجتمع في الامتثال. وهو تغيير يتجاوز اللحظة ويتجاوز الموجة الحالية واحتجاجات الشوارع. ولهذا السبب، فإنّه من المستحيل تحديد ما سيحدث بعد ذلك.

 

نقطة اللاعودة؟

 

يلقي مسؤولون إيرانيون باللوم على "أعداء إيران" بتهمة التحريض على الاحتجاجات. هل هناك أي تفريق في وسائل الإعلام أو في السياسة تجاه هذه الاحتجاجات، أم أنّ الإدانة قاطعة ومُجمَعٌ عليها؟ كيف كان رد فعل الوسطيين في النظام أو المعتدلين المرتبطين بالرئيس السابق روحاني؟

كاوياني: كما يمكنك أن تتصوّر، تفرض إيران رقابة صارمة على الإعلام. حتى أنّ بعض الصحفيين احتُجِزوا لمجرد نقلهم خبر وفاة مهسا أميني وجنازتها. ويُقلَّلُ أيضاً من أهمية هذه الاحتجاجات وحجمها ونطاقها الشعبي. وقد وجه مسؤولون حكوميون ومتشدّدون إهانات إلى المحتجّين، قائلين إنّ الأحداث الجارية هي بتحريض من قوى خارجية. حتى أنّ الحرس الثوري الإيراني قصف أهدافاً في كردستان العراق، وألقى باللوم على حزبين معارضين في المنطقة بتهمة الضلوع في الاحتجاجات الإيرانية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة