“العلاقة بين المعرفة والأيديولوجيا في الفكر السوري المعاصر” عنوان الكتاب الصادر مؤخرًا عن مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، للباحث والمحاضر الأكاديمي، في جامعتي كولونيا ولايبزيغ، حسام الدين الدرويش.

صدر حديثا للباحث السوري حسام الدين درويش
العلاقة بين المعرفة والأيديولوجيا بعيون سورية

"ما العمل؟": يركِّز كتاب "المعرفة والأيديولوجيا في الفكر السوري المعاصر" على بعض الإجابات التي قدمها الفكر السوري المعاصر على هذا السؤال المركزي، منذ قيام الثورة السورية عام 2011، حتى الوقت الراهن.

"ما العمل؟"، هذا هو السؤال الأساسي الذي انشغل السوريون بمحاولة الإجابة عنه، في العقد الأخير، بعد قيام الثورة السورية عام 2011. وليس جديدًا أو نادرًا حضور هذا السؤال في الفكر السوري، أو في غيره؛ فقد كان هذا هو سؤال لينين عام 1901-1902، وهو، ذاته، كان سؤال قسطنطين زريق، في حديثه الموجه إلينا، نحن، "الأجيال القادمة"، عام 1998.

لكن الحضور المستمر للسؤال لا ينفي اختلاف معانيه ومضامينه، وفقًا لاختلاف سياقات طرحه، ومنطلقات هذا الطرح، وغاياته، واختلاف المنظورات التي يُتناول من خلالها، بما يفضي إلى التباين، إلى درجة التناقض، بين مضامين الإجابات المقدمة عنه.

يركِّز كتاب "المعرفة والأيديولوجيا في الفكر السوري المعاصر" للباحث حسام الدين درويش على بعض الإجابات التي قدمها الفكر السوري المعاصر عن السؤال المذكور، منذ قيام الثورة السورية عام 2011، حتى الوقت الراهن. ويتضمن دراسةً لبعض أهم الطروحات البارزة والمعبِّرة عن أوضاع الفكر السوري المعاصر، في هذا الخصوص. 

ويبيِّن الكتاب الصادر حديثًا عن مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر أنه في سعي الفكر السوري إلى إيجاد تلك الإجابة عن سؤال "ما العمل؟"، يتداخل أو يمتزج، بالضرورة، التوصيف المعرفي لما كان، وما هو كائنٌ، وما يمكن أن يكون، مع الحديث الأيديولوجي/ المعياري عما (كان) يجب أن يكون، من هذا المنظور أو ذاك.

وتتمثل الأسئلة الرئيسة التي يحاول الكتاب سبر ممكنات الإجابة عنها فيما يلي:

"ما التداخل أو التشابك الحاصل بين المعرفة والأيديولوجيا، بين الثقافة والسياسة، بين الوصف والتقويم، في الفكر السوري المعاصر؟ وما إيجابيات هذا التداخل أو التشابك، وسلبياته؟ وكيف نميِّز، نظريًّا، بين متطلبات المعرفة، الوصفية والتحليلية، الموضوعية، وتوجهات الرؤية الأيديولوجية التقويمية أو المعيارية، بدون إقصاء إمكانية الجمع العملي المنسجم بينهما، في الوقت نفسه؟

وهل يمكن أو ينبغي للمعرفة الموضوعية أن تكون خاليةً من أي بعدٍ معياريٍّ أو أيديولوجيٍّ؟ وكيف يمكن تطعيم المعرفة بالأيديولوجيا، وتأسيس الأيديولوجيا معرفيًّا، بدون أن يؤثر ذلك، سلبًا، لا في وصفية المعرفة، ولا في معيارية الأيديولوجيا؟".

 

“العلاقة بين المعرفة والأيديولوجيا في الفكر السوري المعاصر” عنوان الكتاب الصادر مؤخرًا عن مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، للباحث السوري حسام الدين الدرويش. الصورة: مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر.
“العلاقة بين المعرفة والأيديولوجيا في الفكر السوري المعاصر” عنوان الكتاب الصادر مؤخرًا عن مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، للباحث السوري حسام الدين الدرويش. الصورة: مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر.

وفي مناقشة مثل هذه الأسئلة والمسائل المتصلة بها، ولغرض الإسهام في تقديم بعض الإجابات عنها، يتناول الكتاب، في 312 صفحة، وفي أربعة أبوابٍ تتضمن تسعة فصولٍ، بالتحليل والنقد نصوصًا سوريةً مختلفةً من نصوص الفكر السوري المعاصر الي تمثل جانبًا مهمًّا من النتاج المعرفي والأيديولوجي لعددٍ كبيرٍ ومتنوعٍ من المفكرين والناشطين السياسيين والكتَّاب والباحثين الأكاديميين والمؤسسات الثقافية أو السياسية ...إلخ.

فالباب الأول الموسوم ﺑ "في الوطنية (السورية)"، يناقش، في ثلاثة فصولٍ، مفهوم "الوطنية (السورية)" والمفاهيم المرتبطة به، مثل مفاهيم الديمقراطية والهوية والقومية والفردية (الليبرالية) والانتماءات الجماعاتية الإثنية والدينية والطائفية والمناطقية، في الفلسفة السياسية، من جهةٍ، وفي السياق السوري، من جهةٍ أخرى.

الفصل الأول يناقش إشكالية العلاقة بين الفرد والجماعات العضوية والدولة (الديمقراطية)، في سياق مناقشة بعض مضامين "إعلان الوطنية السورية" الذي أصدره بعض المفكرين والناشطين السوريين"، في 15 حزيران/ يونيو 2020.

ويتابع الفصل الثاني مناقشة المسائل المذكورة، من خلال قراءةٍ نقديةٍ لعددٍ من النصوص السورية، أحدها ﻟ بدر الدين عرودكي "الهوية الوطنية السورية بين الإشكالية والالتباس"، والنصوص الأخرى تتعلق بالاندماج الذي تم الإعلان عنه، في كانون الأول/ ديسمبر 2021، بين "تيار مواطنة" و"مجموعة نواة وطن". أما الفصل الثالث فيناقش المفارقات المحايثة لمفهوم "المبادئ فوق الدستورية"، من جهةٍ، ومبادرة "مدونة سلوك لعيش سوري مشترك"، من جهةٍ أخرى.

أمام الباب الثاني فهو معنونٌ ﺑ "دراسات نقدية في الفكر السوري المعاصر" وهو مخصَّصٌ لدراسة الجدل الإيجابي و/ أو السلبي بين المعرفة والأيديولوجيا، بين الثقافة والسياسة، في النتاج البحثي المؤسساتي أو الأكاديمي. ويتضمن فصلين (الرابع والخامس): الفصل الرابع مخصص ﻠ "دراسة نقدية لتقارير "المركز السوري لبحوث السياسات" عن "الأزمة السورية""، في حين أن الفصل الخامس المعنونٌ ﺑ "بين الثقافة والسياسة" فيتضمن "دراسة نقدية لملفّ مجلة قلمون "التفاعل بين الدين والمجتمع في سورية 1920-2020""، من زاوية العلاقة الجدلية بين الثقافة والسياسة، بين المعرفة والأيديولوجيا، بين الوصف والتقويم، في نصوص العدد المزدوج المذكور لتلك المجلة.

الباب الثالث معنون ﺑ "في سرديات الثورة والحرب الأهلية"، ويحتوي فصلين (السادس والسابع). ويحمل الفصل السادس عنوان "في مفهومي "الحرب الأهلية" و"الثورة" في سوريا: أخلاقيات الوسم والتسمية"، ويناقش، من ناحيةٍ أولى، المعايير التي يتم من خلالها تمييز الحرب الأهلية عن الأنواع الأخرى من المواجهات العنيفة داخل الدولة، ومن ناحيةٍ ثانيةٍ، التمييز بين الأبعاد المعيارية- الوصفية المختلفة المحايثة لمفهومي "الحرب الأهلية" و"الثورة"، بوصفهما مفهومين معياريين كثيفين، ليخلص إلى ضرورة الالتزام بما يسميه ﺑ "أخلاق الوسم والتسمية".

أما الفصل السابع فيناقش مسائل متعلقةً ﺑ "سرديات الثورة السورية" ومسألتي جدوى الثورة السورية ومعناها، ويقوم، لهذا الغرض، بالتمييز بين "الكلام الفاضي" و"الدوال الفارغة"، كما يتضمن مناقشةً لفكرة "نهاية الثورة"، ولمدى ضرورة التحلي بالصلابة الجذرية و/ أو المرونة السياسية، في هذا الخصوص.

الباب الرابع موسومٌ ﺑ "في الشتات والاندماج والنزوح والارتزاق"، ويتضمن فصلين (الثامن والتاسع). فالفصل الثامن المعنونٌ ﺑ "في الشتات والاندماج"، يناقش مسألة الحضور المتزايد لمفهوم "الاندماج" في الكتابات العربية عمومًا، والسورية منها خصوصًا، والمعاني المتعددة والمتباينة، إلى درجة التناقض أحيانًا، لهذا المفهوم، ليس في الخطابات السياسية والإعلامية فحسب، بل وفي الكتابات الأكاديمية أيضًا. وانطلاقًا من التمييز بين معنيين أو مفهومين مختلفين ومتمايزين للاندماج، إيجابيٌّ وسلبيٌّ، يبيِّن هذا الفصل الافتراضات المعيارية المسبقة التي يتأسس عليها المفهوم السلبي للاندماج، ويخلص إلى ضرورة الانتباه إلى الأبعاد المعيارية في مثل هذه المفاهيم المعيارية الكثيفة، وضرورة ضبط هذه المعاني.

أما الفصل التاسع فيناقش مسألتي "النزوح والارتزاق"، من خلال وصفٍ لأحوال النازحين السوريين المقيمين في الجانب السوري من الحدود السورية التركية، والأوضاع الصعبة التي يعيشون فيها، والتي تجعل الخيمة حلمًا كابوسيًّا، أو تجعل الكابوس حلمًا، والحلم كابوسًا.

أخيرًا، يتضمن الملحق، الموسوم ﺑ "سرديات (ذاتية/ موضوعية) سورية"، نصَّين: الأول معنون ﺑ "في فضيلة النوم الثقيل في ليلة القدر"، والثاني معنونٌ ﺑ "دراسة الفلسفة في جامعة تشرين". النص الأول يتضمن سردًا مكثفًا لأحداث قصةٍ حصلت مع مؤلف الكتاب، في فترة طفولته،

أما النص الثاني، فيتضمن سردًا لبعض الأحداث التي حصلت معه أثناء دراسته في الجامعات السورية عمومًا، وجامعة تشرين خصوصًا. والنصان عبارة عن شهادةٍ شخصيةٍ ومكثفةٍ عن الأوضاع التي كان يعيشها السوريون في "سوريا الأسد"، قبل قيام الثورة السورية عام 2011، ويتضمنان إشارة إلى بعض اللمحات والمسائل ذات الدلالة الكبيرة والمهمة، في هذا الخصوص. وتتضمن الخاتمة تحليلًا نقديًّا لمفاهيم العدمية السياسية والطهرانية الأخلاقية والواقعية الانبطاحية وللمواقف السياسية والفكرية التي تتجسد فيها تلك المفاهيم.

 

المصدر: قنطرة 2022

 

 

طالع أيضا:

 

"الفكر العربي المعاصر لا يحمل من هذه السمة إلا اللغة العربية"

"سبب تخلف المسلمين ليس الإسلام ولا الاستعمار"، بل

"سلطوية تحالف مشؤوم بين رجال الدين والدولة"

خطاب الأبراج العاجية: النخب العربية لا تملك إجابات لمواجهة تحديات الواقع

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة