صراع الشرق والغرب مع "الغرق في بحر" كورونا

ماذا تعلمنا من جائحة كورونا وهل ستظل تلازمنا؟

ماذا علمتنا تجربتنا مع الجائحة؟ هل أفلس العالم نفسيا واقتصاديا وهل مد يد العون بعضه لبعض؟ كم فقدنا من أحباب وأقارب من جهة وكم فقد الإنسان البسيط من بيننا مركز ثقل حياته وعمله وظل ينتظر الغيب أن يأتي بالتي هي أفضل. من منّا من لا يخاف المجهول؟ دروس وعبر للعالم يسلط عليها الضوء محمد بدوي مصطفى.

حلّ علينا شهر الصيام 2021 وهلال القيام وقمر التقوى ونجم التهجد والسلوى [ثم عيد الفطر] في عامه الثاني على التوالي ونحن تحت وطأة هذا الفيروس اللعين (كوفيد ١٩)، مأسورين تحت قيود كاسرة وقابضة فرضتها علينا الجائحة وامتد مداها في الزمان والمكان شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، دون أن نتوقع أو نحسب لكل ذلك أيّ حساب أو حتى أن ندرك ما صار وما يصير بنا وفينا.

لكن رغم ذلك لا يفوتني أن أهنئ من أعماق قلبي كل قارئ وقارئة بعام سعيد وعمر مديد، وصحة عتيدة وعافية سديدة، ذلك رغم كل المفارقات والمضاعفات التي يبثها المرض في بدن الأمّة ورغم كل السموم التي تدثرنا بها ورغم هاتيك المآسي والأحزان التي ذقناها حنظلًا رغمًا عنّا لفقد أحبابنا وإخواننا وقد اختطفتهم كورونا في لمح بالبصر، وقفنا وكأننا مغيبون، لا ندرك كيف حدث الفراق، وكيف رحلوا بهذه السرعة على براق البرزخ، لعمري إنّه الاختطاف بحق وحقيقة.

لذلك لم يبقَ لنا يا سادتي في هذه المخمصة النفسية إلا بعض من تهاني، مباركات، وتباريح الهوى التي تبلسم الأرواح، فمنّا الكثيرون الذين يسارعون بإرسال أيقونات الواتس التي صارت هي العادة لا الطفرة والبعض الآخر يعود إلى الهاتف ليبعث بصوت التهاني عبر الأثير ومنّا من يرسل رسائل صوتية أو الصور المكرورة وهذا أضعف الإيمان.

فلا بأس فالعبرة بالنية والعمل ومن يتذكر أحبابه في تلك الساعات فقد ظفر براحة النفس والبال ويصير حاله بعدها دون أدنى شك عال العال.

الأماني - طاقات إيجابية

فالأماني هي أطياف من طاقات إيجابية ينبغي علينا أن نحاول بقدر الإمكان أن نبثّها مشخصنة ومدوزنة بأريج أرواحنا ونفحات قلوبنا وأن نجتهد ما استطعنا إليه سبيلا ونسارع إليها بالتواد والتواصل الشخصيّ وإن لم نستطع عبر هذه اللقاءات التي منعتها الكورونا، أن نكتبها كتابة، أو نبثها صوتًا وصورة، ونتوخى ألا نرسل ما أرسله لنا الآخرون مئات المرّات، تفاديًا أن تُردَّ إلينا بضاعتنا الجاهزة ثانية من آلاف البشر ونكون بذلك كأننا لم نعِ أو نفعل شيئًا.

 

صورة رمزية جائحة كورونا - أقنعة واقية من فيروس كورونا.
من تطورات انتشار كورونا في العالم - الثلاثاء 25 / 05 / 2021: أيد قادة الاتحاد الأوروبي شهادة السفر الذي يأملون في أن تتيح السفر السياحي مجددا في تموز/يوليو 2021 مع اقتراب نصف سكان الاتحاد من الحصول على جرعة لقاح واحدة على الأقل. وتسبب فيروس كورونا بوفاة ما لا يقل عن 3,475,097 شخصًا في جميع أنحاء العالم منذ نهاية كانون الأول/ديسمبر 2019، بحسب تعداد أجرته وكالة فرانس برس استناداً إلى مصادر رسميّة يوم الثلاثاء 25 / 05 / 2021 عند الساعة 10,00 ت غ. الولايات المتحدة هي الدولة الأكثر تضررا من حيث الوفيات مع 590,574 ثم البرازيل مع 449,858 وفاة والهند 307,231 وفاة والمكسيك مع 221,695 وفاة والمملكة المتحدة مع 127,724 وفاة. رغم ذلك، فإن عدد الإصابات المعلن قد لا يعكس إلا جزءاً بسيطاً من الإجمالي الفعلي، مع بقاء نسبة كبيرة من الحالات الأقل خطورة أو التي لا تظهر عليها أعراض، غير مكتشفة. وتقدر منظمة الصحة العالمية أن عدد الوفيات بسبب الوباء اكبر بمرتين أو ثلاث مرات من الأرقام الرسمية المنسوبة.

 

إنّ هذه الطاقات الإيجابية التي تتكاثف حين التواصل الحقيقيّ تقوّي أيماننا بالخير وتجعلنا قادرين على أن نواجه عواصف الجائحة سويةً وأن نقاوم أعاصيرها بما أوزعنا البارئ عندما نتعاضد ونتآخى ونتحاب ونقف سويًة ناكرين للذات ناشدين سلامة الأمّة والأهل والأقرباء من كل داء وكل مرض، وحتى من داء تلك السيدة اللئمة: الكورونا.

إن تجربة كورونا التعسفية التي فرضها علينا الفأل حتمت علينا أن نرجع البصر من جديد في حيواتنا لنرى هل من فطور ثم نرجع البصر كرتين لنرى ما هي الأسباب التي أدت إليها لنرى فيما بعد أينقلب إلينا ذاك البصر خاسئًا وهو حسير؟

الجائحة بين أوروبا والعالم

سألت زميلتي هايدي في قسم اللسانيات بالجامعة قائلًا أنا بصدد كتابة مقال عن كورونا، فهل لديك رسالة للأمّة العربية في هذا الموضوع، بالذات ونحن في بداية شهر رمضان؟ وأنا أعلم كل العلم على حرصها، وهي الألمانية القحّة، على اتباع كل الاحتراسات والتعليمات والارشادات التي ينبغي أن يقوم بها أو يتبعها الفرد تجاه محاربة أو تفادي كوفيد-١٩. تقول: اُكتب يا صديقي أنّه مرض لعين للغاية وأنّه ذو خطورة وفعالية وسرعة لا يمكن أن يتصورها البشر، ويؤدي ببساطة إلى الموت والهلاك المريع وفي حالة النجاة منه، قد يؤدي عند بعض الناس إلى أمراض مزمنة ومستعصية، حتى ولو شفي بعضهم منه.

تسترسل قائلة: لا بد لنا من أن نحاربه جميعاً في كل بقاع الأرض ويجب أن ننتصر عليه حتى تعود في القريب العاجل حياتنا وحياة العالم أجمع إلى ما كانت عليه من قبل، ساكنة، هادئة، حالمة ومطمئنة، وهذا هو الشرط الوحيد في الخلاص منه إلى الأبد، أن نعمل سويةً جنبًا إلى جنب، ولا يهم يا صديقي أين يكون الفرد منّا أو في أيّ بلد يعيش، فالعالم صار قرية، ويمكن أن تنتقل العدوى بسرعة مذهلة من مكان إلى آخر، لذلك يجب أن نتحد كلنا في القضاء عليه.  قل لهم أن الطب في ألمانيا متطور للغاية ورغم ذلك فإن غرف العناية المكثفة تمتلئ كل يوم بالمرضى، لا سيما بعد أن اجتاحت الموجة الثالثة بالفيروس المتحور الإنجليزي، البرازيلي والجنوب أفريقي كل أنحاء ألمانيا، وحتى الأطفال والشباب صارت تفتك كورونا بهم والآن ألمانيا بصدد الحديث عن تطعيم الصغار والشباب حتى لا تنتقل العدوى إليهم وينتشر المرض مجددًا بين هذه الفئات.

في الآونة الأخيرة صار في أوروبا الشغل الشاغل لكل الإعلام والناس وحتى في مجال السياسة هو الجائحة وانقلبت موازين الحياة لتتماشى في كل الأطر، الاجتماعية، السياسية والاقتصادية، مع انفجارات هذا الفيروس القاتل.

نلاحظ من الصباح إلى المساء أن غالبية البرامج التلفزيونيّة تكرس عملها للتنوير، التحذير، التبشير أو التدبير في أمور الجائحة: ما هي نسبة الإصابات في المدينة التي أعيش فيها، ما هي الإجراءات التي قامت بها السياسة في أمور توفير اللقاحات والفحوصات، ما هي الإرشادات أو التعليمات التي يجب يتبعها كل فرد والتي في حالة عدم التطبيق يعاقب عليها القانون، حالات إغلاق دور العلم والمدارس ورياض الأطفال، المصالح الحكومية، الأسواق، إلخ.

وكل شيء يتجدد كل يوم لتلك النسب، والتعليمات والإرشادات وحتى المراسيم الحكومية بحسب ما تقتضيه الحاجة في محاربة آثار وتطور الجائحة.

 کورونا يصيب الكبير والصغير

وقد عرضت قناة بي بي سي في سياق التوعية بفيروس كوفيد-١٩ العديد من الأبحاث والتقارير المتجددة والهامة والتي ينبغي أن نشير لبعض مضامينها في سياق هذا المقال. بحسب تلك التقارير تزداد مخاطر الإصابة بأعراض شديدة نتيجة كوفيد-19 بكبر السن، مما يعرض كبار السن لخطر أكبر من ذلك الذي يتعرض له الأصغر سنا.

السبب في ذلك بسيط، وليس له أي علاقة بفيروس كورونا بحد ذاته: فجهاز مناعة الإنسان يهرم معه، مما يقلل من قابلية الجسم على مقاومة الأمراض. ولكن هذا لا يعني أن صغار السن في مأمن من الإصابة، حتى أولئك الذين لا يعانون من أمراض أخرى كداء السكري وارتفاع ضغط الدم والبدانة.

وحالهم حال الجميع، قد تظهر عند صغار السن أعراض خطيرة وقد يحتاجون إلى أن يرقدوا في المستشفى وقد يموتون جراء إصابتهم أيضا. ولكن مع ذلك، فإن احتمال الموت جراء الإصابة بكوفيد-19 عند الذين تقل أعمارهم عن الخمسين (وخصوصا عند الذين لم يبلغوا الثلاثين) يعدّ منخفضا جدا.

تمكنت بي بي سي من الحصول على إفادات من ممرضات في إسبانيا قلن فيها إن مرض الرئة ذاته الذي يتسبب فيه كوفيد-19 أصبح من المضاعفات المألوفة عند المصابين الأصغر سنا. وكان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية غيبريسوس قد قال في آذار / مارس 2020، "قد يتسبب هذا الفيروس في مكوث صغار السن في المستشفيات لعدة أسابيع، وقد يفتك بهم أيضا". كما حذّر غيبريسوس من أنه رغم احتمال عدم معاناة صغار السن بشكل شديد من المرض، فإن سلوكهم "قد يعني الفرق بين الحياة والموت بالنسبة لآخرين".

 

 

الخمول يزيد خطر الوفاة بفيروس كورونا

لقد نشر موقع صحيفة إيلاف الإلكترونيّة بحثًا عن الخمول وارتباطه الوثيق بزيادة خطر الوفاة والإصابة بفيروس كورونا. يقول المصدر ترتبط قلّة ممارسة الرياضة بزيادة درجة حدّة الإصابة بفيروس كورونا وبالتالي خطر الوفاة منه، وفق ما أظهرت دراسة أجريت على نحو 50 ألف مريض. وأوضحت الدراسة التي شملت 48440 بالغًا مصاباً بالفيروس بين كانون الثاني/يناير وتشرين الأول/أكتوبر 2020 في الولايات المتحدة ونُشرت في مجلة "بريتيش جورنال أوف سبورتس ميديسين" أن الأشخاص الذين كانوا غير نشيطين بدنياً لمدة عامين على الأقل قبل الوباء كانوا عند إصابتهم بالفيروس أكثر عرضة لدخول المستشفى وللبقاء تحت العناية المركزة وبالتالي للوفاة بسبب كوفيد-19 من المرضى الذين اتبعوا باستمرار النصائح بممارسة النشاط البدني.

وبيّنت الدراسة أن "الخمول البدني شكّل أهم عامل خطر في كل النتائج"، بالمقارنة مع عوامل الخطر الأخرى كالتدخين والسمنة وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية أو السرطان. ونحن نعلم أن في شهر رمضان يصير الخمول هو الشغل الشاغل لأغلبية الأمّة والأكل والشرب مما لذّ وطاب هي المكونات الأساسيّة التي يعيش من أجلها غالبية عظمى للناس في غضون هذا الشهر. لذلك نحذر من الخمول والتخمة وكثرة الأكل وأن يتوخى الناس الحذر في التجمعات ومجالس الإفطار حتى لا يعرضوا أنفسهم إلى الخطر.

ماذا علمتنا جائحة كورونا؟

هل نستطيع أن نتحدث بصورة شاملة عن خلاصة ما فعلته كورونا بنا وبالعالم علمًا بأن الجائحة لم تنته بعد والفيروس بكل تحوراته وتكوراته ينفذ دون لأيٍ أو إبطاء إلى كل المجتمعات ودونما أن يفرز بين هذا وذاك.

لقد تغير حالنا وحال الدنيا من حولنا، وتغيرت نفسياتنا ونفسيات من في محيطنا الاجتماعي. ذهبت اليوم إلى مكان عملي بالجامعة الذي أوصد أبوابه منذ العام الماضي 2020 وظلت كل المحاضرات والتفاعلات عبر تطبيق الزوم، فعلمت من زميلتي أن زميلة لنا قد أصيبت بداء الكورونا وأعراضه المزمنة، وصار الرجوع في الوقت الحالي أو الرجوع على الإطلاق سؤال يطرح نفسه.

لقد دمّر الفيروس كل ما بناه الناس في عقودهم المنصرمة، تتوالى الخسائر والانهزامات في كل مكان، توصد المحال التجارية والمكاتب وغيرها أبوابها إلى ما لا نهاية، وعندما نطوف مثلًا بمدينتنا كونستانس، جوهرة الجنوب الألماني والتي تقع على الحدود السويسرية، نجد قلبها صار بلا وقع، صامت وكأنّه توقف عن الضرب. طفقت أسائل نفسي، ماذا حدث يا إلهي؟

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة