فشل المقاربة الأمنية

يتعلق البعد الثاني في الخطة المغربية لمحاربة التطرّف بالجانب القانوني، من خلال اعتماد قانون صارم لمحاربة الإرهاب، تم التصويت عليه عام 2003، وفي ظله ارتكبت عدة تجاوزات سجلتها عدة تقارير حقوقية، بل واعترف بها الملك محمد السادس، في إحدى حواراته النادرة مع صحيفة الباييس الإسبانية عام 2005، واعترف فيه بوجود تجاوزات في الاعتقالات التي شهدها المغرب مباشرة بعد هجمات الدار البيضاء، وتجاوزت آنذاك أكثر من سبعة آلاف حالة اعتقال، دين كثيرون من أصحابها بعقوبات سجنية ثقيلة، مازال بعضهم ينفذها وراء القضبان.

وعلى الرغم من مراجعة هذا القانون، وإدماجه لاحقاً ضمن فصول القانون الجنائي المغربي، إلا أنه ما زال محط انتقاد منظمات حقوقية مغربية ودولية عديدة.

وبارتباطٍ مع هذا القانون، اعتمد المغرب، ضمن الخطة نفسها، مقاربة أمنية صارمة، من خلال إعطاء إمكانيات مالية كبيرة لأجهزة الأمن، قصد تأهيلها وتجهيزها لمواجهة كل خطر إرهابي، لكن المقاربة الاستباقية التي تعتمدها هذه الأجهزة أدت، في حالاتٍ كثيرة، إلى إثارة انتقادات المنظمات الحقوقية المغربية والدولية، بسبب تجاوزاتٍ ترافق عملياتها.

وعلى الرغم من مرور أكثر من أربع سنوات على اعتماد هذه المقاربة الأمنية الصارمة، مازال المغرب يعتبر أكبر مصدّر للإرهابيين، ففي أحدث تصريح لوزير الداخلية المغربي الحالي، عبد الوافي لفتيت، أدلى به أمام البرلمان في أبريل/ نيسان الماضي، قال إن عدد الملتحقين من المغاربة بتنظيم داعش الإرهاربي تضاعف بنحو 600%، وبلغ عددهم آنذاك نحو 1631 عضواً.

علي أنوزلا: صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع "لكم. كوم"، أسس وأدار تحرير عدة صحف مغربية، وحاصل على جائزة (قادة من أجل الديمقراطية) لعام 2014، والتي تمنحها منظمة (مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط POMED).
علي أنوزلا: صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع "لكم. كوم"، أسس وأدار تحرير عدة صحف مغربية، وحاصل على جائزة (قادة من أجل الديمقراطية) لعام 2014، والتي تمنحها منظمة (مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط POMED).

ويضاف إلى ذلك أن عدد "الخلايا الإرهابية" التي ما فتئت السلطات المغربية تعلن عن تفكيكها كل شهر تجاوز 168 خلية، وتم اعتقال أكثر من ثلاثة آلاف مشتبه به، أغلبهم دينوا بعقوبات سالبة للحرية، ومازالت السلطات تعلن كل أسبوع تقريباً عن تفكيك خلايا جديدة واعتقالات لمشتبه بتخطيطهم لأعمال إرهابية.

العنصر الرابع من الخطة المغربية لمواجهة التطرّف مشروعٌ كبيرٌ لإعادة هيكلة الحقل الديني، من خلال تأسيس مؤسسات رسمية دينية للتأطير والتكوين الديني، وإعادة هيكلة المجلس العلمي الأعلى للعلماء المغاربة الذي يرأسه الملك بوصفه أميراً للمؤمنين، حسب الدستور المغربي، وإنشاء إذاعة رسمية تحمل اسم الملك محمد السادس للتوجيه الديني والتأطير الإعلامي، وتمكين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية من إمكانات ضخمة، بعدما وضع على رأسها، منذ أربع عشرة سنة، وزير متصوّف، حاول أن يجعل من التصوّف "ديناً رسمياً" للدولة لمواجهة تيارات الإسلام الأخرى، بكل أطيافها السياسية والسلفية والجهادية.

والنتيجة أن الإسلام الصوفي تحوّل إلى مجال للريع الديني، تستفيد منه زوايا صوفية وأتباعها، بينما تركت الهوامش للإسلام السياسي والسلفي والجهادي، وهي الهوامش نفسها التي يخرج منها االشباب الذين يلتحقون بالتنظيمات الإرهابية في الغرب، ويتوجهون إلى سورية والعراق وليبيا.

حان الوقت، بعد أربع عشرة سنة ونيف على اعتماد المغرب خطته في محاربة الإرهاب والتطرّف، لتسجيل وقفة تأمل وتقييم هذه السياسة التي وإن جنّبت المغرب، حتى الآن، أعمالاً إرهابية، إلا أنها لم تحم شبابه من السقوط في براثن التطرّف. وقد حان الوقت لدق ناقوس الخطر.

 

علي أنوزلا

حقوق النشر: علي أنوزلا 2017

علي أنوزلا صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع "لكم. كوم"، أسس وأدار تحرير عدة صحف مغربية، وحاصل على جائزة (قادة من أجل الديمقراطية) لعام 2014، والتي تمنحها منظمة (مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط POMED).

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.