
صورة الصراع العربي الإسرائيلي في ألمانياانفصام الخطاب السياسي الألماني عن واقع الشرق الأوسط
الرأي العام الألماني لا تَنْقُصُهُ النقاشات الخلافية الصاخبة ولا يَنْقُصُهُ الغضب الصامت، فثمة دائماً ما يثيرهما: ابتداءً بالموقف من سياسة الحكومة الألمانية المتعلقة بأزمة كورونا وما يتصل بها من حظر تجوال وإغلاق للمدارس، مرورًا بأزمة السكن وسوق العقارات والسياسات المتعلقة بالمناخ وخوف شرائح عريضة من المجتمع على رفاهيتها ومسألة اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وصولًا إلى الطريقة المثلى للتعامل مع روسيا والصين، وإلى ما ذلك من مواضيع يتم إثارتها في العلن، أضف إلى ذلك أيضا ما يحترق بهدوء في خلفية الأحداث بلا لهب.
وعليه، فمن المريح أن يطفو إلى سطح هذه النقاشات موضوع يتفق في شأنه معظم الرأي العام. وقد مثَّلت عِبارة: "فلنكافح معاداة السامية، ألمانيا تقف إلى جانب إسرائيل" [في فترة القصف المتبادل بين تل أبيب وغزة] الحد الأدنى من توافق الآراء في ألمانيا، واحتفى السياسيون والإعلاميون بهذه العِبارة، وكأنهم في قُدّاس لشعائر علمانيّة، وتكرر سماع عبارات من قبيل: "هذا لا يُطاق ومن غير المقبول أن نرى ذلك في الشوارع الألمانية إلخ..." - [في إشارة إلى ما حدث في مظاهرات متضامنة مع الفلسطينيين في ألمانيا].
وما قدح شرارة وابل الإدانات لمعاداة السامية في ألمانيا هو الصراع في الشرق الأوسط والتظاهرات المؤيدة للفلسطينين التي خرجت في بعض الشوارع الألمانية، والتي هتف خلالها بعض المتظاهرين بشعارات معادية لليهود، وشارك في هذه التجمعات أناس من أصل فلسطيني، بالإضافة إلى مهاجرين من بلدان أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
الإدانة بديهية ولا نقاش عليها حين يَسُب متظاهرون اليهود بالقول: "يهود زبالة ملاعين"؛ وما قام به السياسيون والإعلاميون الألمان في سياق التعبير عن غضبهم إزاء مثل هذه الأقوال هو أمر صحيح بكل تأكيد، إلا أنهم ما لبثوا أن أضافوا إلى ذلك ما أضافوا، فأخرجوا من دروج مكاتبهم هذا الكلام الطنان: "معاداة السامية المستوردة من الخارج". وهو مفهوم تم سابقا شرح مدى تضليله مرارا وتكرارا.
محاولة لتبرئة الألمان من تهمة معاداة السامية
فالحديث عن "معاداة السامية المستوردة من الخارج" يبدو كما لو أنه محاولة مكشوفة لرمي الذنب على أشخاص آخرين. فحين يتحدث الألمان عن معاداة السامية في أوساط المهاجرين المسلمين فإن الألمان يحررون بذلك أنفسهم من الحديث عن تاريخ معاداة السامية في ألمانيا، بل وحتى من التفكير بهذا التاريخ. وحين يصبح "المهاجرون" هم أعداء السامية، يمسي الألمان نقيض ذلك، أو أنهم لم يعودوا كذلك.
لكن خروج بعض الأفراد عن المسار الصحيح خلال الاحتجاجات المذكورة أعلاه هو أمر يمكن التغلب عليه من خلال التعليم والتوعية. وفي المقابل، فإن هزيمة النسخة الألمانية من معاداة السامية لم تتم إلا بعد أكبر عملية عسكرية وأعظم تضحيات عرفتها البشرية خلال تاريخها. غير أن حتى العنف لا يجدي نفعًا من منظور البعض، ومنهم مرشح الحزب الديمقراطي المسيحي للبرلمان الألماني والرئيس السابق لهيئة حماية الدستور هانس غيورغ ماسِن! [ماسِن الذي كان أُجبر على التخلي عن عمله في هيئة حماية الدستور (جهاز الاستخبارات الداخلية) إثر تشكيكه في صحة فيديو يُظهِر متظاهرين من اليمين الألماني المتطرف يطاردون مهاجرين].

وأيّاً كان الأمر، فقد أصبح لدى الطبقة الوسطى في المجتمع الألماني سبب منطقي ومفهوم يسمح لها برفع الصوت ضد الهجرة إلى ألمانيا وبالنظر بشكل مريب إلى الوافدين مسبقا إلى البلاد. فحين يوصَم هؤلاء المهاجرون بأنهم معادون للسامية، يصبح رفض الهجرة علامة على التسامح والتنوير، ويرسل ذلك في الوقت نفسه إشارات مطمئنة بأن الغرب ماضٍ في ترسيخ قيمه الليبرالية بعزيمة وثبات.
وفي سياق انتخاب خلف للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، قدَّم المرشح عن الحزب الديمقراطي المسيحي أرمين لاشيت مثالًا واضحًا عن التوظيف السياسي الجيد لتهمة معاداة السامية، وذلك حين ألقى بهذه التهمة على غريتا تونبيرغ، الشخصية المشهورة في حركة "أيام الجمعة من أجل المستقبل" [وهي حركة اجتماعية عالمية عمادُها أطفال المدارس والتلاميذ المطالبون بإجراءات أكثر شمولية وسرعة وكفاءة لحماية المناخ] بعد نشر هذه التلميذة ملاحظات انتقادية حول الحرب الإسرائيلية على غزة.
وفي ذلك ما يتيح تسطيح الحراك العالمي الهادف لحماية المناخ -المزعج [للعديد من السياسيين وأرباب الصناعات الكبرى]- عبر اتهام هذا الحراك بمعاداة السامية. هكذا، وبكل بساطة.
كما يتيح هذا الخطاب للمسؤولين عن الانبعاثات الغازية -المسببة للاحتباس الحراري- أن يشعروا فجأة بأنهم "متسامحون".
عبر التنديد بمعاداة السامية يعرب السّاسة في ألمانيا قبل كل شيء عن تضامنهم مع إسرائيل. وهو أمر جدير بالترحيب للوهلة الأولى. فلو لم يكن لماضي ألمانيا أي عواقب على تصرفات ممثليها الحاليين، لكنا نشهد اليوم سقوطًا في العدمية ونهاية الأخلاق.
حقائق جوهرية متوارية عن الأنظار
غير أن الانحياز المطلق لإسرائيل في حرب مثل تلك التي جرت بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية في شهر أيار/مايو 2021 يطرح بدوره إشكالية. فبالتوازي مع علوّ الأصوات المؤيدة لإسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها وأمنها -بوصف ذلك "مصلحة وطنية عليا" لألمانيا- وارتفاع الأصوات المنددة بـ "الهجمات الإرهابية" لحماس، يتم تجاهل حقائق جوهرية متعلقة بهذا الصراع.

ومن ذلك تجاهل العوامل التي لها صلة مباشرة بالتصعيد الأخير في مايو / أيار 2021، مثل سياسة الاستيطان وعمليات الشرطة الإسرائيلية في القدس، والقضايا الرئيسة التي لم يتم التوصل لحلول لها حتى يومنا هذا ولا تزال تؤجج الصراع، مثل استمرار احتلال الضفة الغربية وإغلاق قطاع غزة- وبعبارة أخرى تجاهل حق الفلسطينيين في تقرير المصير والمساواة في الحقوق، اللذين لم يتحققا بعد.
السياسة والرأي العام في ألمانيا يتحركان كلاهما في عالَمٍ موازٍ حَشَرَهما فيه جيل الأجداد بقيادة أدولف هتلر. والنوافذ التي تنفتح من هذا العالم الموازي على الواقع في الشرق الأوسط تصبح مُغَبَّشَة بشكل خاص مع كل تصعيد هناك. ويعيق هذا التشويش رؤية الأمور على حقيقتها، فيَظهَر سكان غزة كما لو أنهم المثال الرهيب عن الغوغاء المعادين للسامية المتظاهرين في شوارع مدينة غيلزِنْكيرشِن الألمانية [حيث أُحرقت أعلام إسرائيلية في احتجاجات أمام معابد يهودية في عدة مدن ألمانية] وفي الوقت نفسه تَظهَر إسرائيل كما لو أنها مثال الديمقراطية التي لا تشوبها شائبة، والتي تحاول حماية مواطنيها.
خطاب ألماني محشوّ بعِبارات متكررة مضلِّلة
من الواضح أن فهم مَن يصيغون الخطاب الألماني هو فهم منقوص للتاريخ. حتى أن الادعاء بأن الماضي الألماني قد تم معالجته بالفعل قد يصبح موضع شكٍّ حين يقارَن ذلك بتصرفات بعض السياسيين وممثلي وسائل الإعلام. فلو كان هؤلاء على دراية شاملة بالتاريخ الألماني لأحجموا عن الثرثرة الغبية حول "معاداة السامية المستوردة من الخارج".