يتذكر رَنَان صورة لأبيه وهو في الرابعة والعشرين من عمره، على شاطئ تل أبيب، وعلى بُعْدٍ منها: المدينة العربية يافا وجَمَلاً يعبُر المكان: "أبي كان يرتدي بدلة وربطة عنق. كان يريد دائما أن يكون أوروبيا. وكان يحن كثيرا إلى برلين".
 
فلسطين، البلد المقدس والمنهك، هي بالنسبة لرنان حجر رحى كل تفكير في اليهود. أما حول القرآن والذي يرى البعض أنه يتضمن آيات معادية لليهود مثل الإنجيل، فإنهم لا يقولون هنا إلا كلمات تائهة. فبالنسبة له، فإن العداء لليهود في الشرق، والذي ارتبط بظروف المنطقة، مختلف عن تقليد العداء لليهود في أوروبا، والذي اتخذ أشكالا دينية واقتصادية وعنصرية، والذي يجد بدايته في الحقد على الشعب الذي سلم المسيح للصلب، ليبلغ ذروته مع الهولوكست.
 
وحتى صعود الصهيوينة والهجرة اليهودية إلى فلسطين، كان اليهود في المجال العربي أقلية من بين أقليات أخرى. طبعا، انتصار الفاشية في أوروبا كانت له جاذبية في العالم العربي أيضا وألهم حركات مثل حزب البعث، بل إن مثقفين مثل سلامة موسى اعتقدوا بتفوق "العرق الفرعوني". لكن بالنسبة للحركات العربية، بل وحتى بالنسبة للإخوان المسلمين، ورغم برامجها المعادية لليهود، فإن فكرة العرق المتفوق كانت تتناقض مع المطلب الكوني للإسلام، والذي يرى أن كل المسلمين سواسية.
 
 
لقد أوضحت مؤسسة لايبنيتز للشرق المعاصر عبر سلسلة من الكتابات التي نشرها، والتي اشتغلت على هذه الأمثلة وغيرها، كيف أن الزعم الذي يقول بـ "انجذاب العرب" للأيديولوجية النازية (المَصْدر: بيتر فين، رونيه فيلدانغل في كتابهما: "عميان أمام التاريخ") أمر كاذب ولا يخلو من نزعة شريرة.
 
فإحدى الصحف الرائدة في مصر، الهلال، تصف في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين عذاب اليهود في أوروبا، مؤكدةً بأن الشعب اليهودي مطارد ومقموع منذ قرون.
 
رنان: الحقد على الاحتلال الإسرائيلي مرتبط بتجربة القمع اليومية
 
صحيح أن المثقفين المصريين قرأوا كتب المؤرخ أوسفالد شبينغلر، لأن بلدهم كان يقف على أعتاب أزمة كبيرة، لكن بالنسبة لمثقفين مثل محمد حسين هيكل، فإن أنظمة العنف الفاشية لم تكن تمثل مخرجاً من الانحطاط، ولكن دليلا على القوة المدمرة للحداثة الغربية. فبالنسبة لهم، كممثلين لإنسانوية مسالمة شرق ـ أوسطية، لم يكن بالإمكان القبول بالفاشية. ولقد ساهمت الحروب الخاسرة للعرب وانهيار عملية السلام العربية-الإسرائيلية في تحول العلاقة بين اليهود والعرب إلى عداء سياسي، يزخر بالأكاذيب وحملات التشويه، كما الحال في كل حرب.
 
"لكن الحقد المسيحي على اليهود لا يقوم على مشكلة واقعية"، كما يؤكد رنان: "في حين يواجه المسلمون في الشرق الأوسط صراعا حدوديا مع اليهود، منذ أن نجح المشروع الصهيوني في فلسطين".
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.