أمستردام - هولندا - مايو / أيار 2021: امرأة تحمل لافتة  ضد الاستعمار خلال مظاهرة. آلاف الهولنديين في "ساحة دام" في أمستردام ينددون بالعمليات الإسرائيلية وخطط الإجلاء القسري للفلسطينيين من حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية المحتلة.
ضد التشنيع الأيديولوجي في صراع الشرق الأوسط

إسرائيل وفلسطين - الفوارق الدقيقة كواجب أخلاقي

يشكك بأن ما فعلته إسرائيل في غزة هو مجرد "دفاع عن النفس" لكنه بالمقابل يدعو لإعادة النظر في إدانة إسرائيل بأنها فقط "استعمارية". نعوم ياتسيف مرشد سياحي ومعلم إسرائيلي يدافع -في رؤيته لموقع قنطرة- عن تحليل تاريخ فلسطين/إسرائيل تحليلا أكثر دقة معتبرا هذا "التزاما أخلاقيا" خاصةً على المراقبين الأوروبيين.

تصعيد العنف في إسرائيل وفلسطين في مايو/أيار 2021 ترافق مع وابل متوقع من المحتوى الإلكتروني على وسائل التواصل الاجتماعي متعلق بهذا الحدث. وبحكم أني مرشد سياحي إسرائيلي يعمل غالباً مع المسافرين الأوروبيين لدي الكثير من التواصل مع الأجانب، وفي هذه الأيام معظمه تواصل رقمي بسبب وباء كورونا. وأكثر من أي وقت مضي فإن معظم المحتوى الذي صادفته يشير إلى حقيقة أنّ الناس لا يعلمون سوى القليل عن التاريخ الحديث للمنطقة.

أعلم أنّ التوترات تتصاعدُ، والسياسات المشينة لكل من إسرائيل وحماس تتطلّبُ انتباهاً أكثر مما يقوله أو يفكر به أي شخص في أوروبا. غير أنني أشعر بحاجة ملحة لكتابة هذا في هذا التوقيت، لأنه في الوقت هذا قد يكون الناس على استعداد للتفكير في أي شيء يتصل بفلسطين/إسرائيل بشكل جدي.

وما يفاجئني بشكل كبير هو الترابط المقلق بين استخدام بعض الكلمات الطنانة والفهم السطحي للغاية للنزاع. ومن بين الأمثلة التي تتبادر إلى ذهني: مقال ورسالة مفتوحة -من قِبَل أكاديميين- وبيان تشاركَهُ أصدقاء فيسبوك ألمان، وكل هذه الأمثلة تُظهِرُ استخداماً مفرطاً لمصطلح "كولونيالي/استعماري" كخلفية للصراع. وهذه مجرد أمثلة لما يبدو أنه أصبح بديهياً بين الأوساطِ الفكرية والناشطة المؤثرة المتنامية باستمرار.

الاستخدام الحكيم لصفة "استعماري"

المفردات التي عادةً ما كانت تقتصر على النقاشات الأكاديمية أصبحت جزءا لا يتجزأ من النقاش السائد حول فلسطين/إسرائيل. إذ أنَّ أعداداً متزايدة من الناس تدعم الفلسطينيين كجزء من نزاع عالمي "متعدد القطاعات" ومناهض للاستعمار، يهدفُ إلى توحيد المجموعات المهمّشة والتقدميين حول فكرة أن إسرائيل هي أوج الأمراض التاريخية للهيمنة الأوروبية - وهو مفهوم خطير وغير تاريخي على الإطلاق.

لا أرفض -بأي حال من الأحوال- الاستخدام اليقظ والمصقول لهذه المصطلحات. فقد كان العديد من الصهاينة الأوائل من أوروبا نتاج محيطهم وعصرهم، واعتبروا فلسطين بمثابة مكان يحتاج إلى نوع من "المهمة الحضارية". يمكن أن يكون للإطار "الاستعماري" قيمة في فهم جوانب عديدة كالاستيطان اليهودي وبعض الديناميكيات التاريخية -بين العرب واليهود في فلسطين- وربما -جزئياً وليس كلياً بالتأكيد- أصول العنصرية في إسرائيل.

ويمكن لهذا أن يجعلنا نفهم الكثير حول الممارسات في الأراضي المحتلة منذ عام 1967. غير أنه توجد طبقات سياقية لا تُعد ولا تحصى لهذا التاريخ، والتي تكون مفقودة حين يُستخدم مصطلح "استعماري" بشكل فج. إذ أن استخدام مصطلح "استعماري" كمرادف لكيان إسرائيل بأكمله يعوق فهماً أعمق للوضع.

 

مستوطنون يهود في فلسطين في ثمانينيات القرن التاسع عشر.  source: https://orientxxi.info)
في الصورة مستوطنون يهود في فلسطين في ثمانينيات القرن التاسع عشر: أولئك اليهود الذين وصلوا إلى فلسطين العثمانية منذ سبعينيات القرن التاسع عشر فصاعداً، كانوا مستوطنين من الخارج، ولكن لأي حكومة يهودية بالتحديد؟ هل كانوا -قبل عشرات السنين من وعد بلفور- بيادق في يد قوة سيادية تستغل الناس أو الموارد الطبيعية في هذا الجزء من الإمبراطورية العثمانية؟ ألم يكن المستوطنون الذين يصلون إلى هنا حتى تأسيس إسرائيل -وإلى حد كبير بعد ذلك- لاجئين أو طالبي لجوء، وفق تعريف اليوم؟

 

يُعرَّفُ "الاستعمار" في موسوعة ستانفورد للفلسفة كالتالي: "ممارسة الاستعمار غالباً ما تنطوي على نقل السكان إلى أرض جديدة، حيث يعيش الوافدون كمستوطنين دائمين مع الحفاظ على ولائهم السياسي لبلدهم الأصلي". واستناداً إلى هذا التعريف، ينبغي أن يكون الناس قادرين على الإجابة على العديد من الأسئلة الحاسمة، قبل تسمية إسرائيل "استعمارية" في كل جملة:

أولئك اليهود الذين وصلوا إلى فلسطين العثمانية -منذ سبعينيات القرن التاسع عشر فصاعداً- كانوا مستوطنين من الخارج، ولكن لأي حكومة يهودية بالتحديد؟ هل كانوا -قبل عشرات السنين من وعد بلفور- بيادق في يد قوة سيادية تستغل الناس أو الموارد الطبيعية في هذا الجزء من الإمبراطورية العثمانية؟ ألم يكن المستوطنون الذين يصلون إلى هنا حتى تأسيس إسرائيل -وإلى حد كبير بعد ذلك- لاجئين أو طالبي لجوء، وفق تعريف اليوم؟

لقد كانوا جزءا من حركة التحرر التي كانت تتودد إلى القوى الإمبريالية (أولاً العثمانيين، ومن ثم الإمبراطورية البريطانية)، وفي نهاية المطاف تحولوا إلى المقاومة العنيفة ضد الحكم البريطاني. تخيلَ العديدُ من المفكرين الصهاينة، ومن بينهم حنة أرندت، موطناً ثنائي القومية -بدلاً من "دولة يهودية" حصراً- أو على الأقل دولة مساواة كاملة. وقد تشوَّهت هذه الرؤية بسبب العنف القومي الثنائي منذ عام 1920 وصاعداً، ليبلغ ذروته في حرب عام 1948، غير أنّ هذه الرؤية لا تزال تلقى صدى لدى العديد من الناس الذين يعتبرون أنفسهم "صهاينة".

مسألة السكان الأصليين

ومن ثم هناك قضية السكان الأصليين. هل كان المستوطنون اليهود معادلين حقاً للفرنسيين في الجزائر أو الهولنديين في جنوب أفريقيا؟ الحضارة اليهودية هي ظاهرة فريدة جداً - إنها ليست مجرد "دين". وهي تفهم نفسها عبر آلاف السنين من خلال مبدأ "الشعب". وقد حدَّدت هذه المجموعة -منذ قرون قبل الصهيونية- أرض إسرائيل بأنها موطنها. لطالما صلى اليهود في كل زاوية من الأرض من أجل "العودة إلى صهيون". حتى اليهود الأرثوذوكس المتشددون المعادون للصهيونية ما زالوا يصلون مستخدمين النص ذاته إلى يومنا هذا.

فَكِّروا في الأسماء الاستعمارية في أميركا الشمالية: "نيويورك"، "نوفا سكوشا"، "نيو برونزويك" وغيرها من الأسماء. ليس من باب الصدفة عدم وجود أسماء مثل "نيو فيلنيوس"، أو "نيو برلين"، أو "نيو بغداد" في إسرائيل. فالأسماء العبرية مثل "جليل أو يهودا" هي جزء لا يتجزأ من الوعي اليهودي. لقد كان هناك وجود يهودي مستمر في هذه الأرض خلال العصور، ناهيك عن ذكر رحلات الحج الموثَّقة وطقوس الدفن للحكماء الربانيين والأثرياء اليهود.

وقد كانت الهجرة اليهودية في العصر الحديث بالفعل منظَّمة على نطاق كبير، بيد أن اليهود لم يكونوا المهاجرين الوحيدين إلى فلسطين خلال تلك الفترة. لماذا اعتُبر العربي الذي هاجر إلى حيفا من العراق أو لبنان في عام 1910 من السكان الأصليين، بينما اليهودي الذي وصل في الوقت ذاته من تركيا أو رومانيا اعتُبر استعماريا؟

يمكن أيضاً طرح هذا السؤال بشكل مختلف. إنْ قبلنا أن الفلسطينيين العرب هم السكان الأصليون لهذه الأرض -وأنا بالطبع أوافق على هذا- إذاً فاليهود هم السكان الأصليون لأي أرض؟ هل هم "سكان أصليون" بالنسبة لأوروبا، حيث كانوا يتعرضون للاضطهاد بشكل متكرر وفي نهاية المطاف قُضي عليهم؟ أمْ لعشرات الأراضي الأخرى حيث غالباً ما كانوا يُعتَبرون "آخرين" ويتعرضون للمضايقة، بما في ذلك الشرق الأوسط؟ لقد اِنتمى هؤلاء المستوطنون إلى الجماعة ذاتها التي انتهى بها المطاف في معسكرات الموت في أوروبا. وهذه ليست تفاصيل ثانوية، ولا ينبغي أن تُقابَلَ بسخرية.

نعم، لقد نظر العرب الفلسطينيون إلى المهاجرين اليهود الحديثين كمجرد "أوروبيين". لكن هل جاءت "الأوروبية" أو هل جاء "البياض اليهودي" -وهي فكرة شائعة اليوم- مع ما نعتبره "امتيازاً"؟ وهل حماهم هذا من المذابح في الأماكن التي فروا منها؟ ما الذي يعنيه أصلاً أن تكون "أوروبياً" أو "أبيض"، عند الحديث عن التجربة اليهودية في أوروبا؟ وكيف يتلاءم مفهوم اليهود بوصفهم "بِيض البشرة" مع كون اليهود هدفاً أساسياً للنازية الجديدة وإرهاب التفوق الأبيض؟

أسباب وجيهة كثيرة للانتقاد المتزايد الموجَّه لإسرائيل

وأنا لا أطرح هذه الأسئلة من أجل تبرير أي خطأ تقوم به إسرائيل. فالجرائم تُرتكب وما زال الإجحاف مستمرا. ويتزايد النقد الموجه لإسرائيل نظرا للكثير من الأسباب الوجيهة. فإسرائيل نتنياهو قومية متشددة، وأحياناً عنصرية بشكل علني، ولا تُظهِرُ أي اهتمام بالوصول إلى حل للنزاع. على النقيض من ذلك: فهي تستفيد من الانقسام بين فتح وحماس، وتعمل ما بوسعها للحفاظ عليه.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة