طائفة الأحمدية وجدل الانتساب إلى الإسلام

ملاحقة الأحمدية في الجزائر انتهاك لحرية العقيدة

لا تخفي سلطات الجزائر رفضها للأحمدية، وتبرر حملتها الأمنية الواسعة ضد المنتسبين لهذه الطائفة بحفظ الأمن الديني للبلاد، حيث صرح مسؤول حكومي قائلاً: "لا حقوق إنسان ولا حرية عقيدة في هذا الموضوع". في حين يرفض الأحمديون تصنيفهم خارج الإسلام. إسماعيل عزام يسلط الضوء على وضع الأحمدية في الجزائر.
أصدرت منظمة العفو الدولية "أمنستي" تقاريرها السنوية عن حقوق الإنسان في الكثير من بلدان العالم، ومنها الجزائر. ركزت المنظمة في جزء من التقرير على واقع المحاكمات التي طالت الجماعة الأحمدية، وهي القضية التي تصدرت عناوين الإعلام الجزائري خلال عام 2017، عندما شنت السلطات حملة واسعة ضد المنتسبين إلى هذه الجماعة، وصلت بحسب أرقام "أمنستي" إلى محاكمة أكثر من 280 فرداً من الجماعة لأسباب تتعلّق بشكل مباشر بعقيدتهم الدينية.
 
وزارة الخارجية الجزائرية ردّت على هذا التقرير الذي تطرّق لعدة جوانب من حقوق الإنسان في الجزائر، وقالت إن الموضوعية غابت عنه وإنه تضمن "مغالطات وادعاءات وليس سوى تكرار لتقييمات متحيزة". غير أنه إذا كانت السلطات الجزائرية تجادل في بعض محاور التقرير حول حرية التعبير ومحاكمة نشطاء حقوق الإنسان، فإنها في المقابل تعترف بأنها تقود حملة واسعة ضد الأحمديين.
 
وزير الشؤون الدينية والأوقاف، محمد عيسى، سبق له أن أكد أن وزارته ستكون طرفاً في مقاضاة أفراد من الطائفة الأحمدية اعتقلهم الأمن الجزائري أثناء صلاة الجمعة في مسكن خاص. وبرّر عيسى موقفه بالقول إن وزاراته تتبع استراتيجية لمحاربة كل الطوائف الدخيلة على المجتمع لا يتم تقسيمها. وعاد الوزير لاحقاً ليبرّر موقفه بالقول إن الأحمديين ليسوا مسلمين، وإنه في حالة ما اعترفوا بهذا الأمور، فيمكنهم حينها العيش في الجزائر كبقية الأقليات الدينية الأخرى.
 
في الصورة "الخليفة الأحمدي الخامس" ميرزا مسرور أحمد مع زعيم الأحمدية  في المغرب
في الصورة "الخليفة الأحمدي الخامس" ميرزا مسرور أحمد مع زعيم الأحمدية في المغرب: يرفض الأحمديون الجزائريون التعليق للصحافة حول حالهم خوفاً من استمرار التضييق عليهم، وأيضاً امتثالاً لأمر أصدره "الخليفة الخامس" ميرزا مسرور أحمد، إمام الأحمديين، بضرورة عدم الحديث للصحافة حفاظاً على أمنهم.
 
وكان جلياً مدى الرفض الذي حمله تصريح رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى، عندما كان مدير ديوان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، للأحمديين، إذ صرّح أنه يدعم الحكومة في "حربها" ضد الطائفة الأحمدية، قائلاً: "لا حقوق إنسان ولا حرية العقيدة في هذا الموضوع. نحن مسلمون منذ 14 قرناً. لن تنتظر الجزائر أن يأتي من يزرع السموم فيها. نطالب الحكومة بالمزيد من الإجراءات".
 
 
ليست منظمة العفو الدولية لوحدها التي تعرّضت لما يجري للأحمديين، فمنظمة "هيومن رايتس ووتش" أصدرت بداية عام 2018 تقريراً مطولاً حول استمرار محاكمة الأحمديين بالجزائر. وفي شهر ديسمبر/ كانون الأول 2017، جرى عرض 50 أحمدياً أمام القضاء، فضلاً عن أربع محاكمات أخرى في يناير/ كانون الثاني من عام 2018.
 
ومن أبرز المحاكمات التي جرت عام 2017 تلك التي تخصّ زعيم الجماعة بالجزائر، محمد فالي، إذ يواجه ست قضايا أمام المحاكم، وقد أمضى ثلاثة أشهر في السجن. كما حُكم عليه لاحقاً في العام ذاته بالسجن عاماً مع وقف التنفيذ. وكان آخر حكم صدر بحقه هو ذاك الذي نطقت به محكمة كان في عين تادلس بولاية مستغانم شمال غرب الجزائر، في شهر سبتمبر/ أيلول 2017 بالسجن ستة أشهر مع وقف التنفيذ وغرامة مالية.
 
 
التهم الموجهة للأحمديين في الجزائر متنوعة، تبدأ من "الاستهزاء بالمعلوم من الدين بالضرورة أو شعائر الإسلام"، و"المشاركة في جمعية غير مرخصة"، و"جمع التبرّعات دون رخصة"، و"إقامة شعائر في أماكن غير مرخصة"، و"حيازة وثائق من مصادر أجنبية". أغلب هذه التهم يعاقب عليها بالحبس والغرامة، وأكبر عقوبة تصل إلى خمس سنوات سجناً. وبحسب ما صرّح به فالي لـ"هيومن رايتس ووتش"، فإن الإدانات بحق الأحمديين صدرت في 123 قضية، كانت فيها العقوبات بين ثلاثة أشهر وأربعة أعوام، بينما لا يزال العشرات من المنتسبين للجماعة في مرحلة التحقيق.
 
يرفض الأحمديون الجزائريون التعليق للصحافة حول حالهم خوفاً من استمرار التضييق عليهم، وأيضاً امتثالاً لأمر أصدره "الخليفة الخامس" ميرزا مسرور أحمد، إمام الأحمديين، بضرورة عدم الحديث للصحافة حفاظاً على أمنهم.
 
محمد داود ماجوكا، الناطق باسم الطائفة الأحمدية في ألمانيا، يقول إن "وضعية الأحمديين في الجزائر تزدادا سوءاً يوماً بعد يوم"، مشيراً إلى أنه إضافة إلى الاعتقالات والمحاكمات، يُمنع الأحمديون في الجزائر من إقامة شعائرهم الدينية. أسباب التضييق قد تعود، بحسب قوله، إلى رغبة السلطات الجزائرية في "استرضاء عدد من الأئمة الجزائريين المتأثرين بأفكار دينية أجنبية تضيّق على الأحمديين، موجودة في عدة بلدان كباكستان والسعودية ومصر. كما قد تكون هناك دوافع سياسية وراء هذه الحملة".
 
رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى
"لا حقوق إنسان ولا حرية عقيدة":كان جلياً مدى الرفض الذي حمله تصريح رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى، عندما كان مدير ديوان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، للأحمديين، إذ صرّح أنه يدعم الحكومة في "حربها" ضد الطائفة الأحمدية، قائلاً: "لا حقوق إنسان ولا حرية العقيدة في هذا الموضوع. نحن مسلمون منذ 14 قرناً. لن تنتظر الجزائر أن يأتي من يزرع السموم فيها. نطالب الحكومة بالمزيد من الإجراءات".
 
استمرار التضييق على الأحمديين في الجزائر يؤكده كذلك إريك غولدستين، متحدث باسم "هيومن رايتس ووتش"، إذ يقول إن محاكمات جديدة ستُعقد في الأسابيع القادمة. ويرد غولدستين على اتهامات وزير الشؤون الدينية الجزائري للأحمديين بالقول: "الحرية الدينية محمية دولياً. لهذه الطائفة الحق، بحسب القانون الدولي، في حرية المعتقد، وليس من حق الدولة أن تقرر من يمكنه ممارسة الشعائر الدينية ومن لا يمكنه".
 
 
تقول الأحمدية عن نفسها إنها "جماعة تمثل النشأة الثانية الموعودة للإسلام"، وإنها "تلك الفرقة الناجية الموعودة التي أنبأ عنها رسول الإسلام"، لأجل "تكميل تبليغ رسالة الإسلام إلى العالم كله". تعود بدايات هذه الجماعة إلى ميرزا غلام أحمد القادياني، ولذلك تسمى أحياناً بالقاديانية. وُلد القادياني عام 1835 في إقليم البنجاب بالهند، وتصفه الأحمدية بـ"بطل الإسلام، نائب النبي في بعثته الثانية، الإمام المهدي والمسيح الموعود".
 
ويشير الموقع الإلكتروني للطائفة إلى أن القادياني كان متديناً منذ صغره إلى أن بدأ بتأليف كتاب "البراهين الأحمدية"، وهو كتاب كان "بتوجيه من الله تعالى.. إذ أوحى الله لحضرته بمهمة الدفاع عن الإسلام "، بحسب المصدر السابق الذي يشير إلى أن القادياني تلقى أمراً من الله بأخذ البيعة، وقد بايعه مريدوه عام 1889، وهو تاريخ تأسيس الجماعة الأحمدية. وبعدها بعام، جاءه وحي من الله بأنه هو المسيح الموعود. وبعد وفاة ميرزا غلام، توارث أفراد من سلالته خلافة الجماعة، إلى أن وصلت الإمامة إلى الخليفة الخامس، ميرزا مسرور أحمد.
 
غير أن الكثير من الهيئات الإسلامية ودور الإفتاء تنفي انتماء الأحمديين للإسلام، ومن ذلك ما قاله مجمع الفقه الإسلامي الدولي عن أن الأحمديين "مرتدون خارجون عن الإسلام". الحكم تقريباً ذاته يقوله مجمع البحوث الإسلامية بمؤسسة الأزهر، إذ يشير إلى أن "الأحمدية تخالف شرع الإسلام".
 
ويكمن الخلاف الأكبر بين أغلب الهيئات الإسلامية والأحمديين في مسألة نزول الوحي على ميرزا غلام، حيث يقول الأزهر إنه لا يمكن أن ينزل الوحي على أحد بعد رسول الإسلام. كما يوجد خلاف آخر جوهري حول مسألة "خاتم الأنبياء"، إذ يؤكد الأزهر أنه لا نبي بعد الرسول محمد، بينما يقول الأحمديون إن كلمة "خاتم" تعني "الكمال" وليس آخر نبي.
 
يقول محمد داود ماجوكا: "لا نمثل ديناً جديداً. نحن مسلمون نؤمن بالأركان الخمسة للإسلام والستة للإيمان، وبالقرآن الكريم آخر الكتب السماوية وبمحمد آخر الرسل وخاتم النبيين". ويوضح ماجوكا أن الوحي لدى الطائفة الأحمدية "مستمر، فأي رجل أو امرأة يمكنه تلقي الوحي من الله، لكن ليس الوحي الذي يُكتب في الكتب السماوية". أما بخصوص "آخر الأنبياء"، فتؤمن الطائفة الأحمدية بأن "الإمام المهدي والمسيح ميرزا غلام تلقيا الوحي لإرشاد المسلمين. لكننا لا نجعل أي شخص في مرتبة الرسول محمد".
 
في الصورة ميرزا غلام أحمد. تعود بدايات طائفة الأحمدية إلى ميرزا غلام أحمد القادياني.
تعود بدايات طائفة الأحمدية إلى ميرزا غلام أحمد القادياني: تقول الأحمدية عن نفسها إنها "جماعة تمثل النشأة الثانية الموعودة للإسلام"، وإنها "تلك الفرقة الناجية الموعودة التي أنبأ عنها رسول الإسلام"، لأجل "تكميل تبليغ رسالة الإسلام إلى العالم كله". تعود بدايات هذه الجماعة إلى ميرزا غلام أحمد القادياني، ولذلك تسمى أحياناً بالقاديانية. وُلد القادياني عام 1835 في إقليم البنجاب بالهند، وتصفه الأحمدية بـ"بطل الإسلام، نائب النبي في بعثته الثانية، الإمام المهدي والمسيح الموعود".
 
وبعيداً عن الجدل الديني، لا يتوقف موضوع "الحرية الدينية" في الجزائر على الأحمديين فقط، بل على جميع الأقليات الدينية التي تعتبرها السلطات غير مسلمة. فإن كان الدستور الجزائري ينص في مادته 36 على أنه "لا مساس بحُرمة حرية المعتقد"، فالأحمديون يواجهون اتهامات يؤطرها قانون صدر عام 2006 حول "تنظيم الشعائر الدينية لغير المسلمين" ينصّ على شروط متعددة لممارسة هذه الشعائر، منها طلب الترخيص المسبق من السلطات.
 
وقد جاء هذا القانون في سياق حملة جزائرية لمكافحة التبشير المسيحي، لكنه يطال كذلك الجزائريين الذين انتقلوا إلى المسيحية وفق تأكيدات غولدستين من "هيومن رايتس ووتش".
 
إسماعيل عزام
حقوق النشر: دويتشه فيله 2018
 
 
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.