لا يقدم الكتاب إجابات بسيطة، ولا مسارات سردية بسيطة. فالتمدّن لا يعني بالضرورة تحريراً، والقرية ليست بالضرورة مجتمعاً أكثر تماسكاً. وريحانة، التي كانت من الطبقة العليا في قريتها، تشعر بالقهر وعدم الاحترام في مدينة أطار الصغيرة: "لم تحبني أطار وناسها. لقد حدّقوا بي، وتسلّوا، كما لو أنني هبطت من السماء، أو وصلت من أرض أجنبية غريبة".

ومن جهة أخرى، مباركة صديقة ريحانة، كانت عبدة في قريتها. بيد أنها تختبر مدينة أطار بطريقة مختلفة تماماً. فالناس، كما تقول، "مختلفون عما عرفته من قبل، لكنني أحب الطريقة التي يتقبلونني بها. لا يهمُّ من أين تنحدرين".

مباركة هي واحدة من أكثر الشخصيات جاذبية بين مجموعة من شخصيات ثانوية مثيرة للاهتمام. حين استُعبِدت، كانت "مُلكاً" لوالدة ريحانة. بيد أنه حينها: "لم يكن هناك قصف رعد، ولم تسقط السماء. قرّرت فقط أنني سأكون مُلكاً لنفسي".

غرابة الحياة الحضرية

ينتاب ريحانة شعور أكبر بالقلق عند وصولها إلى العاصمة الموريتانية، نواكشوط. "هذه الكتلة البشرية، الوجوه والصراخ، بقُوا معك حتى بعد ابتعادك عنهم لبضع ساعات، تناولت وجبة، التقيت أصدقاءك. ما زلت تسمع همهمة الحشد في أذنيك، وحتى من دون أن تدرك ذلك، بدأت بالتصرف كما فعل الحشد". بيد أنها تشعر أيضاً بالحسد حول كيف أن ناس المدينة "مُلك أنفسهم".

 

 
 
 

جميع الأماكن هنا لها عيوبها

تغضب ريحانة من ملاجئ الأيتام في المدينة التي تُدار بشكل سيء، وتقول إنه من المستحيل حدوث شيء كهذا في قرية. يهز عبدو ابن أخت حمّا كتفيه، "كما لو أنه يقول <من حيث جئتِ، سرقوا طفلك>".

ومن المثير للدهشة، أن حمّا أيضاً لا يحب العاصمة. ففي حين يأتي بريحانة إلى نواكشوط لتعيش مع أخته، لن يبقى هو. فهو يقول إنه، كرجل مثليّ الجنس، "مرئي" جداً في نواكشوط، بخلاف مدينة أطار الأصغر.

بيد أن الجانب الوحيد المخيّب للآمال في هذه الترجمة الممتعة والغنية هي الحواشي، سواء من المؤلف أو من المترجمة، التي تقطع تدفق السردية بإضافات انثروبولوجية وتفسيرات غير ضرورية غالباً.

ما عدا ذلك، يمتلئ السرد بشخصيات مثيرة للاهتمام وأسئلة جوهرية. كما أننا، ومن منظور ريحانة، يمكننا رؤية غرابة حياتنا الحضرية المعاصرة مجدداً.

 

مارسيا لينكس كويلي

ترجمة: يسرى مرعي

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

ar.Qantara.de

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.