بعد أن استقرت في مونتفلوري، امتهنت حياكة وغزل الصوف لدعم نفسها مادياً، وسرعان ما أصبحت طالبة أبو الحسن الشاذلي، أحد أبرز الشخصيات الدينية في عصره ، الذي كان تابعا مغمورًا لطريقة ابن عربي الأندلسي الصوفيّة، والذي كان شخصية مثيرة للجدل ومؤثرة في التاريخ الإسلامي ، إذ كان يدعو للمساواة بين  النساء والرجال. وكتب على نطاق واسع عن مختلف المعلمات اللواتي شكلن معرفته الروحية ، لذلك لم يكن مستغرباً أن تختار عائشة هذه الطائفة الصوفية كمسار تعليمي لها.

واصلت عائشة تحدي المعايير الاجتماعية في عصرها. إذ درست القرآن وسعت إلى تأويله لفهم معانيه، كما اعتمدت الشكّ كطريق نحو الإيمان. كما كانت تغادر منزلها دون رجل مرافق لها، وتجتمع مع الرجال مناقشة ومحاورة إياهم، ويقال أن تصرفاتها هذه هي التي دفعت بعض الشيوخ للدعوة إلى رجمها.

بالرغم من ذلك ، درست بجد واجتازت العديد من الاختبارات وسرعان ما ارتفعت من مرتبة طالبة إلى معلمة. كما أصبحت مناظراتها مع مرشدها "الشاذلي" نقطة جذب للعلماء والحكام الصوفيين. المثير في حكايتها لا يرتبط فقط بمتابعتها لتعليمها. فأهمية إنجازها ترتبط بانخراطها في الدراسات الإسلامية والدينية، بوصفه المجال الذي يهيمن عليه الرجال في الغالب

البروز والتأثير

احتلت عائشة مكانة بارزة كشخصية دينية في تونس ، وكانت قادرة على الوصول إلى أعلى الأوساط الدينية. كما رافقت معلمها إلى أماكن مختلفة للصلاة، كتلك التي تقع على قمم الجبال والتلال ، والتي تعتبر بمثابة امتياز في الأوساط الصوفية. بعد ذلك أصبحت قريبة من الأمير أبو محمد عبد الواحد والسلطان أبو زكريا، واستطاعت الدخول إلى مناطق للصلاة كانت تقتصر على الرجال في السابق ، كجامع موسى العايدين ، الذي بناه أبي زكريا عام 1229.

أثناء خطابها في مسجد صفصافة (مزار عبد الله شريف حالياً) ، فاجئت عائشة الناس بأسلوبها البليغ ومهاراتها اللغوية ، والتي كانت متوقعة  فقط من العلماء الذكور المتميزين.

بالإضافة إلى صفاتها العلمية والدينية ، كانت عائشة محبة للخير ، تنفق من دخلها ما يسد رمقها وتعطي ما تبقّى منه للفقراء، وخاصة النساء. وهناك أيضاً بعض الأدلة التاريخية، تقول أنها اشترت العديد من العبيد التونسيين الذين كان يتم إرسالهم إلى إيطاليا فقط لتقوم بإطلاق سراحهم ، وذلك حوالي ستة قرون قبل إلغاء العبودية رسمياً في تونس عام 1846.

عندما غادر الشاذلي تونس، أعطى عباءته وخاتمه لعائشة، كما أعطاها لقب "قطب" وذلك في مراسم رسمية، وسمّاها "إمام الرجال". والقطب هو أعلى المراتب الروحية في الصوفية، وقد استحقت هذا اللقب كونها كانت بالفعل قطبًا للمعرفة والدين خلال حياتها وما بعدها.

لمست روحانيتها وأعمالها حياة الناس بطريقة ارتفعت بها إلى منزلة القديسة، وأحاطت حياتها بقصص روحانية وإلهية ، أو "الكرامات" حسب التعبير المتداول في الإسلام السني. ومن أحد القصص المشهورة أن والدها أعطاها مرة ثورًا للاستخدام الزراعي ، عوضاً عن ذلك أعطته للفقراء، طالبة منهم أن يعيدوا لها العظام. ما إن تم جمع العظام مع بعضها من جديد، عاد الثور إلى الحياة.

ما هو مؤكد حول حياتها هو أنها كانت امرأة مستقلة وذات تأثير يقتدى به. تمكنت من شق طريقها من خلال الروابط الاجتماعية وفهم ذاتي قائم على المساواة، و تفوقها الفكري على الرجال في عصرها.بدعوتها لتعليم المرأة وللحرية ، كانت السيدة المنوبية بالفعل ناشطة نسوية سابقة لعصرها.

 

 الكاتبة: صفاء بلغيث

حقوق النشر: opendemocracy  2018

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.