في انسحابه من المجتمع القاسي، اختار سبارتكوس أن يخضع لإكراهات الواقع بدلًا من التصدي لها، مستندًا في وهمه بالخلاص من منحته الوجودية تلك إلى نوع من من الإيمان العقائدي، الذي يقوم برد كل عناصر الوجود إلى نوع من القوة الروحية أو السارية، التي تخترق جميع الموجودات، على نحوٍ يسمح بالمقابلة بين الكلب والإنسان وبين الحجر والحمامة ما دامت تسري فيهم القوى الروحية ذاتها، دون أي اعتبار للفروق الوجودية بين العضوي واللاعضوي وبين الحيواني والبشري، ودون أي اعتبار للوجود البشري ومشكلاته في علاقته مع مسألة الحرية الذي يتوقف حضورها على إغناء الوجود البشري أو تخفيضه.  

تحديات الحياة القاسية

أثارت فكرة الحرية التي نادى بها الناس للتحرر من سيطرة المستبدين، على غرار حكم آل الأسد، دهشة سبارتاكوس وتبرمه من حرية لا تعني له شيئًا، فما حاجته للحرية وهو يعيشها على شكل تصالح مع الطبيعة وقوانينها؟ ألم يكن بكامل حريته عندما قرر التخلي عن ملابسه والاستعاضة عنها بجلد من طين؟ وبالتخلي عن الطعام المطبوخ والاعتماد على ما تجود به ثمار المزرعة؟ ناهيك عن حريته المطلقة بالخلق، ألم يخلق "زمهرير" من بقايا البخار المتجمع على نافذة غرفة محرسه في المزرعة، إلى الدرجة التي صار بمقدوره أن يكون راويًا لجميع حيواته السابقة؟ فهل هناك حرية تعادل تلك الحرية لخلق الوجود؟​

​​

 

يتقاطع موقف سبارتكوس من الحرية ولامبالاته تجاهها مع موقف أصحاب العقائد الأخرى من رجال الدين والقوميين المتخشبين واليساريين الدوغمائيين، الذين أثبتوا أن ولاءهم لتصوراتهم العقائدية عن الوجود يتفوق على ولائهم لقيم حياة الإنسان المعاصرة في الحرية والكرامة الإنسانية، فالبوطي مثلًا، كاهن القصر الجمهوري، استمات في حصر قيمة الوجود للإنسان المعاصر في الإيمان وحده، مضحيًا بالوجود المتعين والواقعي للكائن البشري لصالح وجوده الأبدي في الحياة الآخرة، حاله في ذلك حال القوميين واليساريين الذي خاضوا حربًا ضروسًا لتأكيد أولية وحدة الجماعة المشروخة على التحرّر من العنف الغرائزي لاستبداد حكامهم الذين يفتقدون لأية حكمة ومعقولية بشرية. 

يبدو سبارتكوس في منفاه الكابوسي، بعد طرده من ملجأه الطبيعي في المزرعة، مثالًا على مصير الكائن البشري، العاجز على فهم النقلة النوعية التي تضيفها الحرية للوجود البشري، فبدلًا من اللحاق بها لصنع معنى جديد للحياة الهانئة السعيدة القائمة على الإنسانوية التي في داخله، يدير لها الظهر لصالح خلاص آخروي مبهم، يظل يدفعه لمنفى كابوسي لا خلاص منه إلا بالموت.

 

 

في رواية "عالم الجليد"، نتعرف على الحدود الهشة التي تحيل الأخيلة إلى وقائع كما في حادثة خلق سبارتكوس لزمهريز من العدم، وتحيل الوقائع إلى مجرد أخيلة كما في حالة التماهي التي ظل سبارتكوس يجريها مع الطبيعة كما لو كانت أمًّا كونية له. المشترك في كل ذلك لغة رائع وحش السحرية التي تحيل النسيج الحكائي إلى نوع من التأملات العميقة التي يصعب الفكاك منها.

تنتمي رواية "عالم الجليد" إلى ذلك النوع الروائي الرشيق والمحبوك بأناة، والذي يصعِّب القفز عن قراءة بعض فقراته دون أن يؤدي ذلك لخسارة جزء من المعنى والمتعة معًا، حتى في الجزء الخاص بالحالة الكابوسية التي ينتهي إليها سبارتكوس في رحلته إلى المنفى، ذلك أننا لا نقرأ عن الكابوس بل نعيشه عبر ثقل الألم والأخيلة السوداء المتولدة عنه.

 

مصلح مصلح

حقوق النشر: مصلح مصلح / موقع قنطرة 2019

ar.Qantara.de
 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.