عشر سنوات على "ثورات الربيع العربي"

معضلات السرديات...انتفاضات في مواجهة انتفاضات

ضرورة فهم السياق العربي الخاص: موريس عايق يكتب عن صعوبة رسم صورة واضحة للانتفاضات العربية ويحاول البحث في الأسباب التي تحول بيننا وبين رسم تلك الصورة العامة.

مضى أكثر من عقد ونحن نحاول قراءة الانتفاضات العربية والبحث عن سياق يفسّر الأحداث وينظمها، خصوصاً فيما يتعلق بأهداف المنتفضين، وما كانوا يسعون إلى تحقيقه. 

طُرحت العديد من المقاربات صدرت عن أطراف متنازعة لاستكشاف ما قصّر فيه المنتفضون أو ما غاب عنهم، لكنّها كانت مقارباتٍ جزئية ومتناقضة، لا يمكنها أن ترسم بمجموعها صورة عامة تساعدنا على فهم ما جرى.

لا يسعى هذا النص إلى تقديم صورةٍ عامةٍ أو تفسيرٍ جامعٍ لأسباب إخفاق الانتفاضات العربية، بل على العكس من ذلك، إنها مجموعة من الملاحظات حول صعوبة الإتيان بهكذا تفسير، ومحاولة للبحث في الأسباب التي تحول بيننا وبين رسم تلك الصورة العامة.

صور كثيرة.. أسماء كثيرة 

اعتمدت السرديات التي تم طرحها تسميات مختلفة للانتفاضات العربية، أكثرها مركزية كانت تسمية الربيع العربي التي استندت إلى فكرة الديمقراطية والنضال من أجل الحريات. 

كانت سردية الربيع العربي تحيل إلى تجارب سابقة متنوعة بدءاً من ربيع شعوب أوروبا 1848 إلى ربيع الديمقراطية المرافق لانهيار دول الاشتراكية الواقعية، أو إلى الانتفاضات التي أنهت الديكتاتوريات العسكرية في دول أمريكا اللاتينية. 

وفي نسخة أكثر جذرية للتسمية نفسها، كان الحديث عن ثورات عربية يُحيل هو الآخر إلى مخيلة ثورية عريقة تعود إلى الثورة الفرنسية، وأحياناً، إلى مخيال ثوري يجد مصادره في الثورة الإسلامية الايرانية.

في مقابل تلك السرديات الإيجابية حضرت أخرى مناوئة للانتفاضات، كانت تعتبر التحركات الشعبية مؤامرات دولية أو ثورات إسلامية (هذه المرة كوصفٍ سلبي) أو حروباً بالوكالة

وبمعزل عن تفاوت جودة السرديات المقترحة، والخلفيات السياسية التي صدرت عنها، فإن غالبيتها رصدت جانباً مهماً مما حصل، لكنها كانت تصمت عن الباقي، الذي لا يمكن شرحه ضمن إطارها، وبذلك ظلت عاجزة عن تقديم صورة عامة.

فالانتفاضات العربية (باستخدام أكثر كلمة محايدة ممكنة) كانت انتفاضات من أجل الحرية في مواجهة أنظمة سلطوية واستبدادية، وهذا صحيح، لكنها كانت انتفاضات شكل الاسلاميون مادتها الأوسع والأصلب. فقد كان الإسلاميون الأكثر حضوراً ورسوخاً اجتماعياً في مواجهة الأنظمة خلال العقود الأخيرة، مع الأخذ بالاعتبار علاقتهم الإشكالية مع الحرية والديمقراطية، تلك العلاقة التي تبدأ بالالتباس وتنتهي بالعداء الصريح. 

لا يمكننا أيضاً أن نتجاهل الحروب الأهلية التي مثّلت جانباً من سيرورة الثورات، وهنا لا نتحدث عن الحروب الدائرة مع النظام وحسب، بل عن حروب الأهل، الطوائف والعشائر والمناطق. 

ومثلما حضرت الروح الوطنية إلى جوار الهوية العربية والإسلامية، فقد حضرت أشكال التبعية وحروب الوكالة مع تطور الحروب الأهلية، وكانت التبعية تسوّغ نفسها بالإحالة إلى هوياتٍ عابرةٍ للوطنية أو حتى مناهضةٍ لها.

من هم المنتفضون؟

لو حاولنا تقديم صورة متسقة ومحددة للمنتفضين فلن يكون هذا سهلاً، فالانتفاضات العربية فتحت المجال العام المغلق منذ زمن طويل على مصراعيه، وفي سيرورتها تقدّم فاعلون اجتماعيون مختلفون لشغل المجال العام. 

 

 

كان المتتفضون أبناء طبقات وسطى أو وسطى مهددة بالتراجع، بعضهم يحمل قيماً حديثة ومعولمة وآخرون منهم يحملون قيماً محافظة وتقليدية. كانوا أيضاَ أبناء هوامش وأحياء فقيرة، أبناء ريف انتفض على إهمال طويل الأمد وتزايدت حدته خلال العقود الاخيرة، كان منهم أبناء عشائر، كل هؤلاء، وجدوا لهم مكاناً في الانتفاضات وعلى مراحل مختلفة من تطورها.

وانطلاقاً من معضلات السرديات التفسيرية تتجلى صعوبة الإجابة عن سؤال الفشل، فهل فشل الربيع لغياب الفاعل السياسي (الحزب الثوري) الذي يجمع ويوحّد المنتفضين؟ آصف بيات عالم السياسة الإيراني-الأمريكي في كتابه ثورة بلا ثوار"،  يقول ربما شيئاً من هذا القبيل.

لكن هل كان ممكناً لحزب ثوريّ أن يوجد مع كل هؤلاء الذين انتفضوا وحضروا إلى الميادين؟ أو هل كان من الممكن إيجاد تنظيم أقلّ من حزب لكنه أكثر من حالة التشرذم العام؟ مرة أخرى، هل هناك حقاً ما يجمع كل هؤلاء الذين انتفضوا؟

محاولة تفسير الهزيمة من خلال تقدّم الثورة المضادة تبقى محدودة في قيمتها التفسيرية، فالثورة المضادة لا تنفع في تناول ما حصل في ليبيا أو اليمن مثلاً.. والإحالة إلى الثورة المضادة أمست في غالب الوقت جزءاً من النزاع على “الشرعية الثورية” بين الثائرين أنفسهم.

ولا يبدو من السهل أيضاً تحميل الإسلاميين وحدهم مسؤولية الهزيمة (مثلما يقول خصومهم)، فصحيح أن النزاع حول موقع الاسلام كان مسألةً حاسمةً في كل مكان تقريباً هُزمت فيه الانتفاضة، وأنه لا يمكن تقديم أي تفسير للهزيمة دون الاحالة إليه، لكن الدور الكبير الذي لعبه هذا النزاع في الهزيمة يشير إلى وجود نزاعات أخرى تقسم المجتمعات العربية، لا تقل عمقاً عن النزاع مع النظام العربي الذي حصلت الانتفاضات بسببه.

 

 

بحثاً عن تفسير

بالإضافة إلى النزاع حول موقع الإسلام، ظهرت انقسامات أخرى مثل الانقسام الطائفي في المشرق، وهو انقسام متداخل ومتراكب مع الانقسام حول الإسلام. 

ففي سوريا، لم تكن الانقسامات بين الإسلاميين محض انقسامات عقدية وايديولوجية، بل سارت أيضاً وفق خطوط الانتماءات والنزاعات القبلية (مثلاً بين مناصري الدولة الإسلامية ومناصري جبهة النصرة). وقد رأينا انقسامات أخرى قبلية أو جهوية في اليمن وليبيا، وهي بدورها في أحيان عديدة كانت تتداخل مع انقسامات إيديولوجية. 

هذا قد يعني مرة أخرى أننا أمام نزاعات أشد عمقاً مما يفترض أنه نزاع أساسي للانتفاضة، مما يجعل السردية المتمحورة حول انتفاضة شعب ضد الأقلية الحاكمة المستبدة والفاسدة لانتزاع حريته وديمقراطيته سرديةً ضعيفة في مقاربتها لما حصل.

لكن استبدال هذه السردية بتمركز آخر حول ثورة إسلامية أو طائفية يعاني بدوره من معضلات تفسيرية. فالمنتفضون لم يكونوا إسلاميين حصراً، ولم تلعب حركات الإسلام السياسي في البداية دوراً مركزياً او حاسماً في الانتفاضات، والمسالة الطائفية لم تكن محصورة على المنتفضين، بل تولت الأنظمة نفسها رعاياتها وتغذيتها في مواجهة المنتفضين.

ربما لا تكمن المشكلة إذن في ضعف النظريات وأدواتها التفسيرية وبأن علينا البحث عن سردية أشمل وأفضل، إنما تكمن الصعوبة في مدى تعقيد الظاهرة نفسها. فهناك سمتان موضوعيتان تجعلان تقديم نظرية شاملة لتفسير ما حصل مسألة صعبة، الأولى هجانة الواقع العربي، والثانية تعدد الانقسامات الأساسية في المجتمعات العربية.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة