توجد علاقة بين قناعات ذات صبغة دينية وبين الإرهاب

كما أن الرسائل السرية التي أرسلها الإرهابي، قاتل مسلمي نيوزيلاندا، تثبت هذه العلاقة المتشابكة بين الديني والثقافي في التاريخ المسيحي والإسلامي أو الغربي والإسلامي، لدرجة أن مقابل الغربي لم يعد للوهلة الأولى هو الشرقي بحسب التقسيم الجغرافي البديهي بل صار مقابل الغربي هو الإسلامي.

وهذا التقابل رغم دلالاته السيئة لا يعود على اختزال الغرب للشرق في الدين، بل يعود أيضا إلى اختزال الشرق نفسه في بعده الديني وتقديم نفسه بالثقافة الإسلامية السائدة قبل صفته الجغرافية أو حتى العرقية العربية، وهنا مشكلة أخرى تتعلق بتعريف الهوية بدقة وأولويات الانتماء وهذا يحتاج إلى دراسات تفصيلية.

كما أن نقد المسلمين الدائم والمبرر لازدواجية المعايير الغربية في وصف الإرهاب الذي يرتكبه مسلم بالإرهاب الإسلامي والإرهاب، الذي يرتكبه مسيحي بالتطرف اليميني وليس بالإرهاب المسيحي، يضمر رغبة دفينة في ربط الإرهاب بالدين المسيحي أيضا كمقابل لربطه بالدين الإسلامي، مما يعني أن الرغبة في نفي علاقة الدين بأي عنف ليست مبدأية، ولا تقوم على تأصيل حقيقي لفهم أبعاد الدين المختلفة من اجتماعية وثقافية وسياسية ومعرفية، بل تعتمد في الغالب الأعم على السجال بين الأنا والآخر وتبادل الاتهامات بينهما. 

 

 
 

ولا تنفك ثنائية الأنا والآخر هنا عن ربط الأنا بالدين الإسلامي والآخر بالدين المسيحي، فكيف يتأتى أنك لا ترى في هذا الآخر إلا بعده الديني وتنكر في نفس الوقت أن يختزلك هو في نفس البعد؟!

إن أي إرهابي لا يمكن نزعه من محيطه الثقافي، كما أنه لا يمكن نزع البعد أو المكون الديني من مكونات الثقافة، ومن ثم لا يمكن قراءة أي عمل إرهابي قراءة شاملة بدون عنصر الدين فيها، وإن كان لا يصح معرفيا -بناءً على ما تقدَّم- ربط الإرهابي بالدين في حد ذاته. 

فمن الضروري عدم الفصل بين الإرهابي والعناصر المكونة لثقافته ومنها التنشئة والتربية الدينية والخطاب الديني السائد في محيطه، فقراءة النص التسامحية أو العدوانية ترتبط بظرفها التاريخي، مما يحيل قضية الإرهاب إلى الإنسان أولا، لا إلى النص مباشرة.

 

 
عاصم حفني
حقوق النشر: عاصم حفني / موقع قنطرة 2019
 

عاصم حفني مدرس الحضارة الألمانية بجامعة الأزهر وأستاذ الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة ماربورغ الألمانية.



     

     
     
     
    اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
    إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
    To prevent automated spam submissions leave this field empty.

    تعليقات القراء على مقال : ربط الإرهاب بالمسيحية مقابل ربطه بالإسلام؟

    أحسنت في كتابة المقالة وإختيار الموضوع وشكرا لك.
    لدي تعليق بسيط ولكن أحسبه خلل كبير في جزء من المقالة.
    حيث لا يجوز منطقيا الإستدلال بـ "نقد المسلمين الدائم والمبرر" -حسب كلامك- لازدواجية المعايير الغربية على "وجود رغبة دفينة في ربط الإرهاب بالدين المسيحي كمقابل لربطه بالدين الإسلامي".

    أولا لا دليل على صحة الإفتراض فلم يحدث أبدا أن تم ربط الإرهاب بالدين المسيحي بينما الموجود دائما وبوضوح هو إزدواجية المعايير.
    والنقد هنا لإزدواجية المعايير لا يشترط بالتبعية أن تكون الرغبة في ربط الإرهاب بالدين المسيحي ولاحتى نفي علاقة الدين الإسلامي بالإرهاب.

    وبالتالي لا يجوز -أكرر: منطقيا!- إستنتاج أن الرغبة في نفي علاقة الدين بأي عنف ليست مبدأية بل تعتمد في الغالب الأعم على السجال بين الأنا والآخر وتبادل الاتهامات بينهما. لا! هو محل مجاز المقصود منه "التحدي في نفي إزدواجية المعايير". حتى أعتى عتاة متشددي داعش لم يقولوا أن الإرهاب مرتبط بالدين المسيحي.

    أكرر شكري لحضرتك وتأكيدي على إختلافي مع الفقرة فقط من ناحية الخلل المنطقي في الإستدلال.

    Ashry18.03.2019 | 23:58 Uhr