صمود أمام المقابر الجماعية ودبابات الطغاة

فالعلاقة بين الماغوط الشاعر والحاكم العربي أيا كان علاقة يحكمها التوتر والتمرد والسخط ولو على حساب اللقمة والحرية مضحيا بكل الامتيازات التي يجلبها الولاء ها هو يخاطب ابنتيه شام وسلافة:

معظم المبدعين والثوار العظام

يحملون أطفالهم مسؤولية التنازلات المتوالية

أمام الرغيف

والحذاء وقسط المدرسة

والدروس الخصوصية

وثياب العيد

وحبكما علمني تحمل الجوع والعطش والألم

تحت الشمس والمطر والثلج والمشانق

والصمود أمام المقابر الجماعية ودبابات الطغاة

نكهة السخرية مع اللون الكابي ونيران السخط وألفاظ التمرد هي مايعطي لشعر الماغوط السياسي سحره وألقه وجاذبيته واندغام القارئ في ثنايا نصوصه إنه يجد نفسه الموؤودة وروحه المغتصبة وحقوقه المهضومة وحريته المغيبة اقرأ سخريته من الأداء الحكومي العربي:

وشكلت حكومة ظل وطوارئ ورشحت لها

كل أنواع الورود في العالم لوزارة الشباب

والقمر لوزارة الكهرباء

والمطر لوزارة الري

والسنونو لوزارة المواصلات

ونسرا لوزارة الخارجية

وببغاء لوزارة الإعلام

والرياح لوزارة التخطيط

وسكيرا لوزارة التربية والتعليم

وغجريا لوزارة الإسكان

وأبو النواس لوزارة الأديان

وأبو السياف للسياحة

والحجاج لوزارة العدل

وطفلا لوزارة الأعياد والأراجيح والحلوى

وأبو هريرة أمينا عاما للحزب الحاكم ولمجلس الوزراء

ولاتحاد الكتاب والمعلمين والمهندسين والعمال والفلاحين ولأي اتحاد أو نقابة أو مؤسسة فيها سر من الأسرار

 

 

زخم إبداعي رغم القمع – وَ "الفم يساري والمعدة يمينية"

ويأخذك العجب كل العجب أن تسمع بأشكال القمع والرقابة ثم تجد هذا الزخم من الإبداع والاعتبار والقيمة ونحن لا ندافع عن أحد ولا نزكي نظاما ولكننا نحار فيمن يتباكى على الحريات  في الشام من إخواننا العرب في حين يعيشون في دياحير العصور الوسيطة بالنسبة للحريات الأساسية، ولعل المثل العربي ينطبق عليهم "من كان بيته من زجاج فلا يرمي الآخرين بالحجر" نقول هذا لبيان جودة الإبداع في الشام وصدقه مع ما يعاني الشوام مثلما يعاني العرب جميعا من تضييق وتقتير وخنق وعسف وفساد.

لكن الماغوط الرافض الذي لا يساوم على موقفه اضطرته الأقدار إلى العمل الصحفي في دولة نفطية، وهو الشاعر الذي قال مرة: "قبر مفتوح على البحر ولا قصر في الصحراء" إمعانا في نقد ثقافة النفط والسطحية.

اضطر إلى قبول العرض فلما روجع في ذلك كيف يقبل هذا المنصب قال ساخرا: "الفم يساري والمعدة يمينية" وعاد لانتقاد جائزة نفطية سخية القيمة كان قد نالها. إن هذا لا يشي بسلوك الشاعر ولا مواقفه التي لا يساوم عليها ولكن يكشف فاجعة الملتزم والنزيه والمسؤول عن شعره ومواقفه كيف يغدو مسمارا تطرقه مطارق الحاجة والعوز في وطننا العربي.

الشاعر المحب لزوجته أم بنتيه شام وسلافة

وتعد فاجعة رحيل زوجته سنية صالح 1935 / 1985 فاجعة إنسانية وشعرية بامتياز، فالشاعر المحب لزوجته أم بنتيه شام وسلافة والمقدر لعاطفة الحب والوفاء الزوجي سيظل جريحا كالصقر فقد سقط جدار كان يِلوذ به في صحراء الحياة وترك في وجدانه لهيبا وسيظل يندبه لأخر رمق، فهل اتفق القدر على الشاعر؟:

آه يا حبيبتي

الآن يكتمل جنوني كالبدر

كل أسلحتي عفا عليها الزمن

كل صحبي تفرقت

وحججي فندت

وطرقي استنفذت

ومقاهي تهدمت

وأحلامي تحطمت

لهيب الحب وزفرة الأسى وأشواك الطريق

وقصيدته في رثاء زوجته الشاعرة سنية صالح "سياف الزهور" من أجود المراثي في الشعر الحديث لانحس فيها إلا بلهيب الحب وزفرة الأسى وأشواك الطريق، كما تتشمم بحاستك الشعرية والإنسانية مشاعر الوفاء والاعتراف والولاء للزوجة الحبيبة.

صمود المرأة عند الماغوط مقابل التباهي بفتوحات أجساد النساء عند نزار

وفي علاقة الشاعر بالمرأة علاقة أساسها الاحترام والمحبة والوفاء والموقف والروحانيات الأكثر جاذبية وإغراء في المرأة التي تعين بصبرها وإخلاصها وفكرها ومواقفها على السير بصمود في صحراء الحياة، على العكس تماما من نزار الذي كرس مرضا ثقافيا في غزله لايفتن إلا المرضى والمقموعين جنسيا ومن يعانون من داء الغلمة "إنه نسق الفحولة" كما يسميه الناقد السعودي عبد الله الغذامي شاعر "دون جوان" يتباهى بفتوحاته في أجساد النساء وقد أنتج هذا الركام من القصائد فشكل صالونا نسويا في شعره قراؤه نساء وطقوسه الغنج، والتفاهة، والسطحية والشبق والميوعة وفحيح الشهوة

اقرا إحدى إنجازاته الشعرية:

لم يبق نهد أسـود أو أبيض

إلا زرعت بأرضه رايــاتي

فصلت من جلد النساء عباءة

وبنيت أهراما من الحلمـــات

يا سلام على إنجازات الشاعر وفتوحه ماذا نفعل نحن- العرب المقموعين والجوعى - بهذه الحلمات وفيم تفيد أمتنا؟ ومع احترامي لقامة نزار الشعرية ومواقفه الشامخة فهذا الكلام ابتذال وسخف وسطحية ورداءة.

وهذا ما جعل الشاعر السعودي غازي القصيبي يقول  إن نزار انتهى منذ زمن  وظل يكرر نفسه على طريقة رامبو 1 ورامبو 2 ورامبو3، وليس في هذا غض من قيمة الشاعر فنزار قامة شعرية وقصيدته في رثاء زوجته بلقيس من عيون شعر المراثي في الأدب الحديث وقصائده السياسية ومواقفه إكليل غار على جبينه ولكن لا داعي للتعمية والمبالغات لأهداف تجارية أو مشبوهة من قبل بعض الجمعيات النسوية أو الحركات الثقافية  أو الاجتماعية التي لا تعرف الكوع من البوع.

صولات الماغوط في المسرح السياسي

ولا يكتمل الحديث عن الماغوط الشاعر والإنسان دون الحديث عن الماغوط المبدع في المسرح السياسي الذي له فيه صولات منذ "ضيعة تشرين" و"غربة"،  وهي نصوص تتميز بالسخرية مع مواصلة روح الاحتجاج ونفس التمرد والرفض  تماما مثلما كتب في نصوصه الشعرية.

الماغوط الشاعر الإنسان

سلام لروح الماغوط الشاعر الإنسان والذي أظنه يسخر منا جميعا من مرقده الأبدي وسلام لروح الشاعرة سنية صالح التي قضت بالسرطان، وتحية شامخة باذخة للشام الذي أمطر أرض العرب بسحائب الفكر والفن والجلال من لدن جمال الدين القاسمي وميشال مغربي وجورج صيدح ومحمد الماغوط وأدونيس وزكريا تامر ولؤي كيالي وياسر العظمة ويوسف العظمة ومحمد سعيد رمضان البوطي وعبد السلام العجيلي وممدوح عدوان وحنا مينة وصباح فخري ودريد لحام وعبد الباسط الصوفي وسعد الله ونوس والطيب تيزيني وصادق جلال العظم ونزار قباني وعمر أبي ريشة وكوليت خوري وبرهان غليون ومنى واصف على سبيل الذكر لا الحصر. 

 

إبراهيم مشارة

حقوق النشر: إبراهيم مشارة / موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة