مدخله شاعري يتسم بالأناقة والهدوء وديكوره جميل يحتفي بالألوان الشاعرية خاصة لون الخشب البني الداكن ولون الستائر تردد على المقهى فلاسفة الأنوار في فرنسا، ويقال إن فكرة الموسوعة العلمية التي دشنها الموسوعيون فولتير الذي كان يشرب أربعين قهوة ممزوجة بالشكولاتة. واستمر المقهى يكرس السلوكيات العلمية والحوارات الفلسفية والثورات الفكرية في القرن الثامن عشر وكتب فيه مونتيسكيو جزء من الرسائل الفارسية وشهد تردد شعراء الرومانسية عليه خاصة فكتور هوجو وموسيه ثم شعراء آخرون فيما بعد كأناتول فرانس وفرلين.

يقدم المقهى المكون من طابقين الوجبات الفرنسية  وفق تقليد خاص إضافة إلى القهوة الجيدة المذاق مع قطعة بسكويت والنبيذ المعتق والأيس كريم، وما زالت الجدران مزينة ببنود حقوق  الإنسان والمواطنة كهذه الصيحة من لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت وهما يساقان إلى الإعدام: "نتمنى محاسبة من تسبب في تعاسة الشعب".

مقهى انطلقت منه شرارة الثورة الفرنسية

من هذا المقهى انطلقت شرارة الثورة الفرنسية عام 1789 ففي مجالسه عقدت المناقشات السياسية وأصدرت البيانات وكان من المترددين عليه اثنان من شرارتها دانتون وروبسبيار.

لكن أبرز المترددين عليه كان وبلا شك الملازم وقتها  نابليون بونابرت الذي كان يرهن قبعته لقاء شرب القهوة عند تعذر الدفع ومازال المقهى يحتفظ  بقبعته معلقة على الجدار ومعروضة للزوار مع توقيعاته وحتى أن تردد الزوار على المقهى وأخذهم صورة أمام القبعة قد يؤدي أحيانا إلى الزحام في السلم.

 

على آثار فولتير في مقهى بروكوب الباريسي - فصل من تاريخ التنوير. حقوق الصورة: الكاتب الجزائزي إبراهيم مشارة.
مقهى البروكوب هو أعرق مقهى في باريس- ولعله أعرق مقهى في العالم- فتاريخه يعود إلى القرن السابع عشر وبالتحديد إلى العام 1686 حين فكر السيد الإيطالي الأصل فرانشيسكو بروكوبيو سرعان ما نجح المقهى وصار يتردد عليه الأدباء والشعراء والفلاسفة فهو في مكان ممتاز في قلب باريس وفي مكان شاعري جميل تجتمع فيه بالنسبة للرواد من الشعراء والفلاسفة وقتئذ رائحة الطعام برائحة القهوة والنبيذ المعتق ورائحة التبغ برائحة النساء.

 

{من المشرق ومقاهيه نقل المستشرقون والرحالة الأروبيون صورا رائعة عن الحميمية والتثاقف والمتعة الموجودة في هذه المقاهي فانتقلت إلى أوروبا.}
 

ومن أبرز المترددين عليه العالم والدبلوماسي الأمريكي بنامين فرانكلين الذي صاغ فيه جزء من الدستور الأمريكي ولعب دورا في تحسين علاقات بلاده مع فرنسا ثم الرئيس الأمريكي كذلك توماس جيفرسون.

أنشأ المقهى جائزة فكرية سنوية عام 2011 ويرأسها "جاك أتالي" تعرف" بجائزة البروكوب" تمنح للبحوث والدراسات الفكرية المتسمة بالجدية والابتكار والاحترافية وتشرف عليها لجنة متخصصة وقد كان الكاتب والمفكر الجزائري مالك شبل عضوا فيها.

فضلتُ ارتشاف فنجان قهوة مع قطعة بسكويت في مقهى البروكوب ذات زوال باريسي بارد من أيام يناير فقد انعطفت إلى شارع لنسيان كوميدي حيث المقهى بعد أن حوصرت بمسيرة لأصحاب السترات الصفراء في احتجاجهم السبتي في بولفار سان جرمان ضد قرارات الحكومة الفرنسية التي لم ترق للطبقة الوسطى، جلست على كرسي عبق بتاريخ الأمس ومجده الغابر واستحضرت في ذهني صورة الحراك الفلسفي والأدبي والسياسي في هذا المقهى الذي يحتفظ بصور وتوقيعات الكبار الذين ترددوا عليه أو مروا به.

 

 

لا جرم أن يجتمع الشعر والقهوة – بمعناها الحديث - في خاطر كل من يتردد على المقاهي الأدبية والباريسية خاصة، فهي مقاهي خاصة جدا لكنها فقدت كثيرا من ألقها الفني والفكري والفلسفي وأصبحت تكاد تكون مقاه عادية -اللهم إلا كثرة الفضوليين من السياح- الذين يقصدون هذه المقاهي للفرجة وأخذ الصور التذكارية، فهي مذكورة في كل دليل سياحي واستحضرت في ذهني قول الكاتب المصري الراحل ألبير قصيري في حوار له قبل موته: قال لي بحزن: «أترى كيف تحول مقهى فلور إلى مكان ضاج بالسياح السذج الذين يأتون لزيارة معارض الألبسة الجاهزة في بورت دي فيرساي» هذه المقاهي التي كانت تعج ذات مرة بالنقاشات والمناظرات وصعود التيارات الفكرية، مثل الوجودية والسريالية والدادية وغيرها.

 وقول الكاتب الاسباني فيرناندو آرابال: «لم نعد نرتاد المقاهي الأدبية ونتداول ما كتبناه مع زملائنا لأن الحياة المعاصرة لم تعد تسمح لنا بذلك، فإننا نرسل مخطوطات كتبنا إلى الناشر، وهو يبعث إلينا بحقوقنا عن طريق التحويل المصرفي أو البريدي وانتهى الأمر».

كل المقاهي التي زرتها في رحلاتي لاحظت تغير حالها فبعضها غير النشاط وبعضها الآخر اندثر  والبقية الباقية منها تحتفظ فقط بين جنباتها بمجد الأمس وربما بؤس الحاضر المعولم الذي لا يمكن لمقاهيه الفاخرة  والسيبرانية -المعتدية على حرمة اللفظ ومعناه- أن تحل محل مقاهي زمان. 

 

 
إبراهيم مشارة
حقوق النشر: إبراهيم مشارة / موقع قنطرة 2019 

 

إبراهيم مشارة كاتب جزائري

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.