أودى عنف الشرطة الأمريكية بحياة 1098 شخصا في عام 2019، ربعهم من السود، رغم أن عدد السود في المجتمع الأمريكي لا يتجاوز 13 في المئة حسب مشروع توثيق عنف الشرطة في أمريكا.
على خلفية مقتل أمريكي إفريقي تحت ركبة شرطي أبيض

العنصرية بكل أشكالها جريمة بحق الإنسانية

للتمييز العنصري تاريخ يعود إلى نحو أربعة قرون خلت في الولايات المتحدة الأمريكية أسسها الغزاة الأوروبيون وذلك بعد كسر شوكة أبناء وبنات الوطن الأصليين، الهنود الحمر، ثم اصطياد أفارقة وبيعهم في سوق النخاسة الأمريكية. عنصرية اليوم ليست أقل سوءا والفرق هو تصويرها بالهواتف الذكية. وها هي اللحظة مناسبة لنهوض شعوب العالم ضد العنصرية بجميع أشكالها ومظاهرها كما قال الشاعر: "وإذا تكاتفت الأكف فأي كف يقطعون! وإذا تعانقت الشعوب فأي درب يسلكون!". خواطر للكاتب كاظم حبيب حول العنصرية.

"العنصرية اليوم ليست أقل سوءاً من ذي قبل، لكنها تُصوَّر الآن فقط". هذا القول المعبر بوعي وقوة لواحد من المناضلين ضد العرقية والفصل والتمييز العرقيين يحمل في ثناياه آلام القرون المنصرمة، التي عانى منها الأجداد والجدات لأجيال كثيرة، وكذلك الآباء والأمهات، والأبناء والبنات حتى الآن، والتي تتجلى في ثلاث حقائق جوهرية:

حقائق جوهرية

أولاً- أن العنصرية والتمييز والفصل العرقيين لم ينقطعا يوما، فقد كانا وما زالا مستمرين على مدى أربعة قرون.

ثانياً- وأن هذه العنصرية وكذا التمييز والفصل العرقيين، كانت وما تزال مقترنة بالفصل والعنف العنصريين.

ثالثاً- وأن الفارق الوحيد بين الماضي والحاضر هو ان العنصرية والعنف العرقي يتم اليوم تصويرهما ونشرهما على نطاق واسع.

لم يكن قتل المواطن الأمريكي من أصول إفريقية جديداً ولا غريباً على جهاز الشرطة الأمريكي، فعدد الذين قتلوا من المواطنين السود خلال عام 2019 وحده على أيدي الشرطة الأمريكية بلغ 1014 ضحية [جورج فلويد: 11 وفاة أشعلت احتجاجات ضد "وحشية" الشرطة الأمريكية، موقع بي بي سي نيوز، News BBC بتاريخ 09/05/2020.].

ولم يتوقف القتل في عام 2020، كما لم يكن في السنين المنصرمة أقل من ذلك. ولكن الجديد في القتل المتعمد هذه المرة يبرز في الطريقة الوحشية البشعة التي مارسها الشرطي الأبيض في قطع أنفاس الضحية وببطءٍ شديد استمر طوال 8:46 دقيقة من خلال الضغط الشديد والمركز بركبته على رقبة الضحية غير القادر على الحركة والمُمَسك من قدميه وساقيه من شرطيين آخرين، في حين وقف شرطي رابع يراقب عملية القتل بدم بارد وسبق إصرار.

 

 

لم تشفع عند الشرطي العنصري استغاثة المواطن الضحية جورج فلويد المكررة "لا أستطيع التنفس!"، ولا حشرجة صوته وهو يستغيث بأمه "ماما!". هذه الجريمة الجديدة شكلاً ومضموناً هزّت ضمير وحركت شعوب العالم غير الملوثة بالعنصرية والتمييز العرقي وأججت النشطاء المناهضين للفصل والتمييز العرقيين، فكانت المظاهرات في عدد متزايد من دول الاتحاد الأوروبي ودول أخرى في العالم.

وحفزت هذه الجريمة على النقاش حول هذه المسألة التي تحصل في حضارة القرن الحادي والعشرين وفي دولة تعتبر نفسها حامية حقوق الإنسان، وهي تضحك، برئيسها النرجسي الملوَّث بالعنصرية، على ذقون شعوب العالم كلها! وبدأت القوى المناهضة تتحرك لمواجهة العنصرية والتمييز العنصري ضد السود أو الأجانب عموماً في بلدانها، لاسيما في دول الاتحاد الأوروبي حالياً.

في سوق النخاسة

من المعروف أن الشخص الملوث بالعنصرية والتمييز العرقي والمشحون بالعداء العرقي ضد الإنسان الآخر، سواء أكان بسبب ما يسمى خطأ بـ "العرق" الآخر، إذ ليست هناك أعراق بالمرة فهي بدعة ونظرية خرافية وأسطورة خرقاء، أو بسبب اللون الآخر أو الدين الآخر أو المذهب الآخر أو الجنس الآخر، يمكن في كل لحظة أن يمارس العنف ضد الآخر حين تحين له فرصة ممارسة ذلك، وحين يعتقد أو يدرك جازماً بأن النظام القائم سوف يحميه من العقاب، لأن النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم في الولايات المتحدة مبني في بنيته الأساسية والمؤسساتية على العنصرية والتمييز والفصل العرقيين.

فالعنصرية والتمييز والفصل العنصريين لها تاريخ حافل وتقاليد تصل إلى حدود أربعة قرون خلت في الولايات المتحدة الأمريكية أسسها الغزاة الأوروبيون ابتداءً من التجار الإسبان والبرتغاليين ومرورا بالإيرلنديين والإنجليز والهولنديين والألمان والإيطاليين...، وجمهرة كبيرة من شذاذ الآفاق والعاطلين والفقراء الذين رحلوا الى هناك للبحث عن الذهب والاغتناء، فأصبحوا "أصحاب الدار!!!".

وذلك بعد كسر شوكة أبناء وبنات الوطن الاصليين، الهنود الحمر، ثم ممارسة التجارة التي عمل فيها الإسبان والبرتغاليون في اصطياد المزيد من الناس الأفارقة من القارة الإفريقية ونقلهم عنوة وتحت حراب وتعذيب المستعمرين الأوباش وبيعهم في سوق النخاسة إلى الأوربيين المهاجرين الجدد، ليستعبدوهم ويحققوا الأرباح على حساب عذابات وآلام وأحزان وموت الملايين منهم خلال القرون المنصرمة.

لحظة مناسبة لشعوب العالم

إن الحركة الشعبية المتصاعدة ضد العنصرية والتمييز العنصري في الولايات المتحدة في أعقاب مقتل جورج فلويد لن تتوقف، وينبغي لها أن تتعاظم وتتسع بمشاركة المواطنات والمواطنين الأمريكيين البيض فيها، بما يسمح بإجراء تغييرات جدية ليس في قوات الشرطة فحسب، بل وفي النظام المؤسسي الأمريكي المبني على الأسس والذهنية العنصرية والتمييز العنصري.

 

 

إنها اللحظة المناسبة لأن تنهض شعوب العالم لتندد بالعنصرية والتمييز العنصري وبجميع أشكال ومظاهر التمييز على أساس اللون أو "الإثنية" أو القومية أو الدين أو المذهب أو الجنس. إنها لحظة التضامن الذي يمكنه أن يحرك ويقضي على عبء القرون المنصرمة من معاناة لا حصر لها. وأكرر هنا قول الشاعر الفقيد كاظم السماوي: وإذا تكاتفت الأكف فأي كف يقطعون! وإذا تعانقت الشعوب فأي درب يسلكون!

وشعبنا العراقي يدرك أهمية التضامن مع المواطنات والمواطنين السود في الولايات المتحدة الأمريكية، لأنه هو أيضا يعاني من التمييز العنصري والديني والمذهبي والفكري، وهو المنتفض حالياً في مواجهة شجاعة وباسلة ضد النظام المحاصصي الطائفي الفاسد، وضد كل العنصريين والطائفيين والساعين إلى تكريس جميع أشكال التمييز في المجتمع العراقي، بما فيه التمييز ضد المرأة.

 

 

كاظم حبيب

حقوق النشر: كاظم حبيب / موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة