دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فور وصوله بيروت لتشكيل حكومة "بمهمة محددة" بأسرع وقت، بعد ساعات من تكليف مصطفى أديب رئيساً لها، في زيارة تأتي بعد أقل من شهر على انفجار المرفأ وعشيّة إحياء لبنان المئوية الأولى لتأسيسه.
عن أي دور سياسي تبحث فرنسا؟

رهانات ماكرون في بيروت...وسيادة لبنان الضائعة

يهرول الرئيس الفرنسي ماكرون نحو لبنان، في وقت تسعى فيه شعوب بلدان حديقتها الخلفية في إفريقيا، على محاصرة الوجود الفرنسي، لكونه رديف الفساد والاستبداد؛ فكل الرؤساء الفرنسيين يوفرون الحماية للمدافعين عن "فرانس أفريك". تعليق محمد طيفوري

أثارت تحركات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارته إلى لبنان ردود فعل متباينة؛ بين من اعتبر أن الرجل تجاوز حدود اللياقة الدبلوماسية، فقد كان يتحدث بلسان زمن كانت فيه لبنان ترزح تحت الانتداب الفرنسي.

ومن نظر إلى المسألة من زاوية البراغماتية السياسية، فالرجل في مرفأ بيروت، الذي شُدّت إليه أنظار العالم، لذا حاول جاهدا استغلال الموقع والموقف لحسابه، باعتباره أول سياسي يزور المكان بعد الحادث.

لكن ماكرون أمعن في تجاهل سيادة الدولة اللبنانية، وخرق أبجديات البروتوكول المتبعة في الزيارات الرئاسية على الصعيد العالمي، عندما التقى بممثلي الأحزاب الوطنية وجمعيات المجتمع المدني، ثم نزل إلى الشارع؛ في غياب لرئيس لبنان، من أجل لقاء عموم المواطنين، والتحدث معهم بشأن مشاكل البلد، وحتى تقديم وعود بحلها سريعا، كأنه يزور مقاطعة فرنسية.

حاول الرئيس استغلال الوضع في لبنان، لكسب شرعية جديدة في الخارج، بعدما فقدها في الداخل، بفعل احتجاجات أصحاب السترات الصفر؛ حيث تراجعت شعبيته إلى مستويات قياسية. وكانت - وفق بعض التوقعات - على وشك الإطاحة به، لولا جائحة كورونا التي فرضت اتخاذ إجراءات خاصة واستثنائية. وخير دليل على اهتزاز صورة الرئيس الشاب في الأوساط الفرنسية، حصاد الدورة الثانية من الانتخابات المحلية الأخيرة، الذي آل لصالح أنصار البيئة (الخضر) وأحزاب اليسار.

لم يتردد الرجل في تجاوز كل الخطوط، حشية تكرار نفس أخطاء القارة الإفريقية، فتحدث وكأنه الحاكم الفعلي للبنان، مستفيدا من شرعيتين: إحداهما تاريخية؛ قوامها علاقات لبنانية فرنسية تمتد لأكثر من أربعة قرون، توجت نهاية الحرب العالمية الأولى بإعلان فرنسا قيام دولة لبنان الكبير، في 31 غشت/آب عام 1920. والأخرى شخصية؛ ترتبط بتدخل ماكرون شخصيا، في وساطة دولية عام 2017، قصد إعادة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري المحتجز في السعودية إلى بلده.

 

 

الرئيس الفرنسي ماكرون يريد تلميع صورته

وضع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نصيب أعينه، في هرولته إلى لبنان بعد يومين فقط على الانفجار، إلى جانب مسألة تلميع صورته، قصد استعادة ثقة الفرنسيين، أربعة رهانات أخرى يرى الطريق سالكة إلى تحقيقها، من خلال احتكاره لمجريات الأزمة اللبنانية.

وطنيا؛ يراهن ماكرون من خلال الرعاية المبكرة للملف اللبناني، والإشراف بشراكة مع الأمم المتحدة على مؤتمر للمانحين، الذي تعهد بتقديم حوالي 300 مليون دولار مساعدات عاجلة للشعب اللبناني، على مرحلة إعادة إعمار مرفأ ومدينة بيروت المقدرة بمليارات الدولار، قصد انتزاع النصيب الأكبر لصالح الشركات الفرنسية، أملا في إنعاش الاقتصاد الفرنسي المتداعي (الاحتجاجات، كورونا...).

قاريا؛ يحاول الرئيس الشاب تسويق نفسه في العديد من الملفات الأوروبية؛ كالبريكست وخطة الإنقاذ الأوروبية... قائدا وزعيما أوروبيا. فالرجل مطمئن إلى أن انسحاب بريطانيا من النادي الأوروبي، ودُنو موعد تقاعد المستشارة أنجيل ميركل، يعبدان الطريق أمام حاكم الإليزيه، لتولي قمرة قيادة السفينة الأوروبية. لذا لا يفوت أي فرصة دون التأكيد على أهميته وقدرته على الزعامة، وما معاركه الكلامية ضد الرئيس التركي طيب رجب أردوغان، وكذا نقده الحاد والقاسي لحلف الناتو والدعوة لإنشاء جيش أوروبي سوى أمثلة عن هذا الأمر.

 

رئيس الحكومة اللبنانية المكلف، مصطفي أديب . الصورة ا.ف.ب
ما هي رهانات الرئيس الفرنسي في لبنان؟ يخوض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من خلال زيارته الثانية الى لبنان خلال أقل من شهر بعد الانفجار الكارثي الذي ضرب مرفأ بيروت رهانا صعبا في اطار مساعيه للضغط على النخبة السياسية الحاكمة في لبنان، من أجل دفعها الى اجراء اصلاحات جذرية لانقاذ البلاد من شبح الانهيار الكامل

 

باريس تريد تحجيم الدور التركي المتعاظم

إقليميا، يسعى ماكرون إلى تفادي تكرار سيناريو تركيا في الملف الليبي، فسارع إلى التدخل، بغية تطويق أي دور تركي مستقبلا في لبنان. يُفهم استعجال ماكرون من باب رغبته في التكفير عن خطيئة التردد في ليبيا، رغم أن أغلب المراقبين يستبعدون التدخل التركي في بلد مثل لبنان؛ فغُرمه أكبر من غُنمِه بعيون البراغماتية التركية، ما يجعله خارج دائرة الاهتمام التركي. وقد يُفهم كذلك، في سياق مساعي باريس إلى تحجيم الدور التركي، في موضوع التنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط.

دوليا؛ يقدم ماكرون فرنسا وسيطا دوليا محايدا، يستطيع التواصل مع كافة أطراف الأزمة اللبنانية داخليا؛ من خلال الحوار مع الفاعلين في المشهد اللبناني، من التيار الوطني الحر حتى حزب الله بتحالف.

وخارجيا؛ بإمكانها مخاطبة كل اللاعبين المؤثرين في الملف اللبناني، وأيضا التأثير عليهم، من إيران حتى السعودية. يذكر أنه سبق لوزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان، حتى قبل حادثة المرفأ، أن شرع في نسج خيوط خطة إنقاذ دولية، لإخراج البلد من أسوأ أزمة اقتصادية أودت به إلى الانهيار.

يبدو أن ذاكرة اللبنانيين لا تحتفظ بذكريات عن ويلات التعذيب والقتل التي خلفها الاستعمار الفرنسي في ذاكرة الأفارقة، لذا قام لبنانيون بخطوة "مهينة"، حين طالبوا بواسطة عريضة موقعة، بفرض الانتداب الفرنسي على لبنان. لذا راهن ماكرون بحماسة على إعادة فرنسا إلى المشهد الدولي انطلاقا من لبنان. وما الحرص على عودته إلى البلد في زيارة ثانية، الأسبوع المقبل، سوى دليلا على تشبث باريس بلبنان كورقة لعب، في التنافس المحتدم بين الكبار من أجل هندسة خرائط الشرق الأوسط.

"ذاكرة اللبنانيين لا تحتفظ بذكريات عن ويلات التعذيب والقتل التي خلفها الاستعمار الفرنسي في ذاكرة الأفارقة"

يهرول ماكرون نحو لبنان، في وقت تسعى فيه شعوب بلدان حديقتها الخلفية بإفريقيا، على محاصرة الوجود الفرنسي، لكونه رديف الفساد والاستبداد؛ فكل الرؤساء الفرنسيين من شارل دو غول إلى ماكرون، يوفرون الحماية للمدافعين عن فرانس أفريك. وما الانقلاب العسكري الأخير في مالي، على الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا، سوى دليلا آخر على أن الوجود فرنسا غير مرحب بوجودها - شعبيا ونخبويا - بالقارة السمراء. ويتوقع أن تزداد حدة الرفض مستقبلا، وتمتد المواجهة إلى دول أخرى داخل تجمع الإكواس، أواخر هذا العام مع انتهاء فترة حكم رؤساء أفارقة محميين فرنسيا.

عربيا؛ دخل الشارع الجزائري خلال حراكه الشعبي في مواجهة مباشرة مع فرنسا، عندما رفض تدخلها في الشأن الداخلي الجزائري.

وفي تونس، طالبت كتلة ائتلاف الكرامة؛ رابع كتلة برلمانية، بـإصدار اعتذار رسمي وعلني من الدولة الفرنسية للشعب التونسي، عن كل الجرائم التي ارتكبتها في حقه، منذ عام 1881، موضحة أن الاعتذار من شأنه أن يطوي هذه الصفحة السوداء من تاريخ الدولتين.

يبدو أن اللبنانيين لم يستوعبوا درسين اثنين، عندما طالبوا بعودة الانتداب الفرنسي، درس الحرب الأهلية والمحاصصة والتبعية للخارج، ودرس العداء المستمر لفرنسا في افريقيا.

وما على لبنان المعجب بفرنسا إلا أن يسأل الجزائر -132 سنة - عن الاستعمار الفرنسي، لتقطع الشك باليقين عن منافع الاستعمار والانتداب والحماية.

 

محمد طيفوري

حقوق النشر: قنطرة 2020

كاتب وباحث مغربي في كلية الحقوق في جامعة محمد الخامس في الرباط. عضو مؤسس ومشارك في مراكز بحثية عربية. مؤلف كتاب "عبد الوهاب المسيري وتفكيك الصهيونية" و "أعلام في الذاكرة: ديوان الحرية وإيوان الكرامة". نشر دراسات في مجلات عربية محكمة.

 

.................................

طالع أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة

لبنان بعد كارثة مرفأ بيروت: الثورة تولد من رحم الأحزان

احتجاجات لبنان وحل مشكلة الاقتصاد - حوار مع الناشط نزار حسن

حميد دباشي: إرث الاستعمار الأوروبي لا يزال حاضراً في الشرق 

تنافس بين تركيا وفرنسا على "كعكة المغرب العربي"

خليط سام من المحسوبية والطائفية يهدد مستقبل لبنان

............................

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة