أشقاء مستبدون آخرون له افتعلوا أكثر مما صنعه عبد الناصر بشأن "إمداد" المجتمع بالمداد الديني: حافظ الأسد لكي يعفو عن نفسه أمام المجتمع السوري وليغطي عن جرائم زمرته الحاكمة، وذلك فيما فعله بحماة والمجازر التي ارتكبها في بقع أخرى من سوريا أثناء حربه مع الإخوان السوريين، قام بإعادة "تسنين" المجتمع (التسنين من السنة، مثلاً الاحتفالات الدينية التي فاضت على ما أتى به التراث الإسلامي، "معاهد الأسد" لتحفيظ القرآن، السيولة في بناء المساجد، إعادة إنتاج طبقة رجال دين من العلماء الموالين يحلون كبدائل عن الإخوان...الخ)، من جهة، ولشرعنة حكمه الذي "لا" يعادي إسلام المجتمع السوري، هذا فضلاً عن خلق الأجواء التي استعيد من خلالها إعادة تطييف الطائفي، المطيّف أصلاً.

الأسد والقذافي وناصر وظفوا الدين لشرعنة الاستبداد

Muammar al-Gaddafi im Februar 2011 während des Gebets in Tripolis anlässlich des Geburtstags des Propheten; Foto: Reuters
استخدام الرموز الدينية لشرعنة الاستبداد: يقول حمّود حمّود إن معمر القذافي تجرّأ أكثر من غيره من الحكام العرب في تقديم "نمذجات إسلامية" جديدة. إنها نمذجات لم يكن الهدف منها تحريف التراث الديني المقدس، بل لكي يشرعن وجهه الاستبدادي (المقصود بالنمذجات تلك التي أتى بها بما يخص القرآن وهجومه على السنّة وبعض الرموز الإسلامية الباكرة).

النتيجة لا شك إنتاج جيل أصولي جديد، أو بالأحرى "أخونة جديدة". هكذا، فالحديث، بعد كل ما فعله الأسد في إعادة إنتاج الأصولية، عن "علمانية الأسد"، عن "حداثة الأسد" لهو حديثٌ لا شك فكاهي، إلا أنّه بنفس الوقت مؤلم وهو ما يرتكز عليه "إسلاميو الربيع" في تزويرهم (للأسف من يلصق العلمانية بنظام البعث لا يصنفها، هل هي اللائيكية الكاثوليكية "الحادة"، أم البروتستانتية الإنكليزية "اللينة").

Muhammad Abduh; Quelle: wikipedia
عالم الدين والفقيه المصري محمد عبده قال جملته المشهورة إنه: ذهب إلى الغرب فوجد إسلاماً بلا مسلمين، لكن في بلاده الأصلية وجد مسلمين من دون إسلام: "لصقُ العلمانية بالمستبدين العرب تقترب من لصق صفة الإسلام بالمسيحيين الفرنسيين يوماً ما، أيام ما يطلق عليه بـ "النهضة العربية"، القول إنّ بعضاً من المستبدين العرب هم علمانيون أو طبّقوا نسخة من العلمانية (كـ اللائيكية الفرنسية مثلاً في حالة نظام بن علي)، قول لا يبتعد عن ذهنية محمد عبده التي أنتجت جملته المشهورة في يوم ما، أنّه ذهب إلى فرنسا فوجد إسلاماً بدون مسلمين، لكن في بلاده الأصلية وجد مسلمين من دون إسلام. في كلتا الحالتين نواجه بتوتاليتارية: لصق العلمانية بالمستبدين العرب هو فعل، ليس من أجل شيء، إلا للكيل بالعلمانية نفسها: فبينما سيغدو أصل فرنسا إسلامي، ستغدو العلمانية مساوية للديكتاتورية"، كما يرى حمّود حمّود.

هنا الآلية الذهنية في لصق العلمانية بالمستبدين العرب تقترب من لصق صفة الإسلام بالمسيحيين الفرنسيين يوماً ما، أيام ما يطلق عليه بـ "النهضة العربية"، القول إنّ بعضاً من المستبدين العرب هم علمانيون أو طبّقوا نسخة من العلمانية (كـ اللائيكية الفرنسية مثلاً في حالة نظام بن علي)، قول لا يبتعد عن ذهنية محمد عبده التي أنتجت جملته المشهورة في يوم ما، أنّه ذهب إلى فرنسا فوجد إسلاماً بدون مسلمين، لكن في بلاده الأصلية وجد مسلمين من دون إسلام. في كلتا الحالتين نواجه بتوتاليتارية: لصق العلمانية بالمستبدين العرب هو فعل، ليس من أجل شيء، إلا للكيل بالعلمانية نفسها: فبينما سيغدو أصل فرنسا إسلامي، ستغدو العلمانية مساوية للديكتاتورية.

وبالتالي التخلص من الديكتاتورية، يساويه ولا يقل عنه أهمية في محاربة الثقافة العلمانية التي أنتجت الديكتاتورية. فرنسا ستغدو في هذا المنطق ليست ابنة "الأنوار" النهضوية العريقة، وشعبها في أصله غير مسيحي؛ بل سيغدو أصل فرنسا "إسلامي"، لكن للأسف أهلها غير مسلمين. مثل هذه التمارين الذهنية العربية تشابه بشكل أو بآخر التمارين الذهنية اليوم للإسلاميين، لكن مع تزوير ممنهج أكثر يستفيد من الشلل الحاصل اليوم.

ربّما ما لم ينل حظه من الدرس والنقد أنّ مسألة العلمانية في البلاد العربية، هي قضية حداثية لزومية أولاً وقبل كل شيء، وليست قراراً سياسياً يفرضه المستبد من فوق، ولا مجموعة من القوانين تُشرّع. إنّ القول إنه بمجرد سقوط رؤوس بعض الأنظمة العربية واستلام الأصوليين والإسلاميين سدّة مقاومة أنظمة أخرى، بأنّه سقطت مع ذلك يعقوبيتها اللائكية بصيغتها الكمالية الأتاتوركية، لهو قولٌ يعبّر عن اغتيالٍ ثقافي آخر للعقل، اغتيالٍ لم يكن له أنْ يمر اليوم من دون ما صنعته الأدلوجة القومية، وخاصة تلك التي تربّعت في مثلث السُّلط العربية، وما ساهمت به ترسيخ الخراب العربي المديد. ولا ننسى أنّ هذه الأدلوجات الإسلاموية الحالية هي بنت هذا الخراب ولا تولد سوى من الخراب.

 

حمّود حمّود

حقوق النشر: أوبن ديموكراسي 2017

 

ar.Qantara.de

حمّود حمّود كاتب وباحث سوري، متخصص في الإسلاميات، يكتب وينشر في عدد من الصحف والمجلات والمواقع العربية، منها الحياة والمسبار. صدر له: "سورية والصعود الأصولي" (حوار مع الكاتب عزيز العظمة)، دار الريس/ 2015، و"بحثا عن المقدس، البعث والأصولية" عن دار جداول عام 2014، إضافة إلى عدد من الترجمات.

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.