عن وفاة هيلين بوليك الكردية التركية مغنية فرقة "يوروم" اليسارية

ضد ثقافة الاحتفاء بالموت حتى في سبيل قضايا عادلة

بعد إضراب احتجاجي عن الطعام في تركيا دام نحو تسعة أشهر توفيت بسبب الجوع هيلين بوليك الناشطة الكردية التركية مغنية فرقة "يوروم" الموسيقية الشهيرة ذات التوجهات اليسارية. الصحفي تايفون غوتشتات -في مقاله التالي لموقع قنطرة- ينقل أنها ضحية لقمع الدولة التركية التي اتهمتها بـ "نشر دعاية إرهابية" وأوقفت حفلاتها الموسيقية بعد سنوات من السماح بأغانيها السياسية الحماسية وكذلك يرى أنها ضحية لثقافة شائعة لدى اليساريين الأتراك والأكراد معادية للحياة وتمجد الاستشهاد والموت في سبيل قضايا أيديولوجية.

لقد نشأت في تركيا سنوات الستينيّات والسبعينيّات، وكما في بقية أنحاء العالم، حركةٌ شبابيّةٌ قويّةٌ كانت تنشط على وجه الخصوص داخل التنظيمات الاشتراكيّة واليساريّة. ولقد تركت هذه المجموعات الثوريّة أثرًا قويّا على الجمهوريّة التركيّة وسياساتها في سنوات السبعينات والثمانينات.

وكانت تجوب حينها الحشود المليونيّة الشوارعَ حاملةً الأعلام الحمراء التي كُتبت عليها مختلف الشعارات، مطالبةً بتخليص الإنسانيّة من الرأسماليّة. وكان هدفهم الثورة الفورية مهما كان الثمن، حتّى وإن كلّفهم ذلك الموت الزؤام.

وقد كانت فرقة "يوروم" الموسيقيّة التي تأسّست عام 1985 من رحم الحنق على العنف والظلم المسلّطين من قبل النظام الانقلابي في تلك الحقبة، تعزف الموسيقى والأناشيد التي تصف مشاعر الحياة حينها.

ولقد حملت ألحانها البسيطة والمميّزة المستقاة في أغلبها من موسيقى الأناضول الشعبيّة، وذات التوزيع الموسيقي والبعد الجمالي الأوروبي، رسائل مؤثّرةً مرسلةً لقلوب وآذان الجماهير. وتنوّعت موضوعاتها الرئيسيّة بين هتافات الصمود ومواجهة الظلم المتفشّي في كلّ مكان، وبين أناشيد رومانسيّة تحثّ على المقاومة وتدعو للكفاح.
 
كان تفهُّم الدولة التركيّة قليلًا إزاء تلك الحركات الثوريّة عمومًا ومن ضمنها فرقة يوروم.  إذ تعرّض عددٌ لا حصر له من المواطنين للاعتقال والتعذيب، واختفى بعضهم دون أثر، ولا سيّما تحت حكم الأنظمة الانقلابيّة، وهو الشيء الذي طال أعضاء من فرقة يوروم كذلك.

نشيد الأمل

 

حفلة فرقة يوروم الموسيقية في 28 يونيو / حزيران 2015 في اسطنبول - تركيا. Foto: Imago/Seskim Photo
مشاعر ثوريّة وأناشيد مقاومة ودعواتٌ للكفاح ضد الرأسماليّة والإمبرياليّة: المدى الأيديولوجي لمن وصلتهم أغاني فرقة يوروم مثير للدهشة في كل الأحوال. وقد ساهم في ذلك سرعة تفاعل الفرقة المستمر مع أحداث راهنة عبر إصدار أغانٍ جديدة، وكذلك عبر ما ترسمه أغانيها من صورٍ بسيطةٍ ورومانسيّة.

 

ولقد غادر عددٌ كبيرٌ مماثل من الثوار تركيا إلى بلاد المهجر وخاصّة إلى أوروبا، سواء كانوا من أصول تركيّة أو كرديّة أو من الطائفة السُّنِّية أو العلويّة. وكنت أغاني فرقة يوروم هنا أيضًا أشبه بنشيد الأمل المعبّر عن الشوق للوطن ولغدٍ أفضل لكل العالم، وكانت أغانيهم كذلك الموسيقى التي ترافق كؤوس الشراب في الاجتماعات التي تقام في غرف الجمعيّات الثقافيّة [المسّمى الرسمي لأندية المهاجرين الأتراك وكذا القادمين من البلقان وشمال أفريقيا وهي أشبه بالمقاهي الرجاليّة في دول الشرق] التي يلفّها دخان السجائر.

وكان من الشائع أن يؤدّي المغنّون الهواة أغاني فرقة يوروم في الحفلات التضامنيّة وعند الوقفات الاحتجاجيّة التي كانت تقام على خشبة مسارح متواضعة التجهيز، في حين كانت الجماهير تعبّر كلّ مرّةٍ عن امتنانها بالمشاركة في الغناء وبالهتافات الحماسيّة المؤيّدة.

ولوقت طويل كان الاستماع لأغاني فرقة يوروم التي تحثّ مثلًا على الانخراط في حياة المقاومة السريّة، مبرّرا كافيًا للاعتقال. فقد تعرّض عددٌ ليس بالقليل من التلاميذ والطلبة للمسائلة القانونيّة وذلك بسبب عثور معلّميهم الفضوليّين على أشرطة فرقة يوروم بحوزتهم، إذ أنّها اُعتبرت تهديدًا للأمن العام.

وكان الأهل يصابون بالهلع عند سماعهم لتلك الألحان المحرّمة وهي تنبعث من غرف أولادهم غير المقترفين إلى حد تلك اللحظة لمثل تلك الأفعال. وممّا كان موضع جدلٍ شديدٍ أغاني المدح والثناء على أعضاء "جبهة حزب التحرّر الشعبيّ الثوري" ، والذي كان ينفّذ بانتظام هجماتٍ مسلّحةٍ ضدّ قوّات الجيش والشرطة، وهو حزبٌ لا يزال إلى يومنا هذا حزبًا محظورًا.

بين اليوتوبيا والشعبويّة

وفي حين وجد القوميّون الأتراك هم كذلك ضالّتهم في الكفاح الشعبيّ المعلن ضدّ الإمبرياليّة، فإنّ الغناء بلغاتٍ عدّة من لغات الأقليّات بتركيا، وبخاصّةٍ اللغات الكرديّة والزازاكيّة واللازيّة، قد جلب بالمقابل لفرقة يوروم عداوة اليساريّين القوميّين.

وفي كلّ الأحوال فإن المدى الأيديولوجي لمن وصلتهم أغاني فرقة يوروم مثير للدهشة، وقد ساهم في ذلك سرعة تفاعل الفرقة المستمر مع أحداث راهنة (مثل هجمات حريق مدينة سيواس عام 1993) عبر إصدار أغانٍ جديدة، وكذلك عبر ما ترسمه أغانيها من صورٍ بسيطةٍ ورومانسيّة. فالكفاح الجماعيّ للشعوب المقهورة ضد الرأسماليّة والإمبرياليّة هو الدافع الموحّد بين المواطنين من مختلف التوجّهات السياسيّة في تركيا.

 

 

وفي عام 2010 كان من الممكن رؤية حجم أعداد مستمعي فرقة يوروم. لقد كانت حينئذٍ السنوات الأكثر حريّةً في تاريخ الجمهوريّة التركيّة، فقد سمح حزب العدالة والتنمية، الحديث العهد نسبيًّا حينها، في إطار مواجهته مع الحرس القديم بقدرٍ غير متوقَّع من الحريّات.

ولقد دخلت الحفلة الموسيقية التي أقيمت بحضور لفيفٍ من الضيوف الموسيقيّين على أرض ملعب بِشِكتاش، والذي يتوسّط أحد أكثر أحياء إسطنبول مركزيّة، التاريخَ التركي باعتبارها أكبر حفلةٍ شهدتها البلاد في مبيعات التذاكر. وقد لا تضاهيها في أعداد الجماهير سوى الحفلات مجانيّة الدخول. فمئات الآلاف يذهبون لحضور حفلات الفرقة المجانيّة، إذ تجاوز عدد الحاضرين لحفلة مدينة إزمير عام 2015 أكثر من مليون متفرّج.  

ويشي شعار حفلة مدينة إزمير عن ميل الفرقة لنوع من الشعبويّة التي من السهل أن تنزلق مباشرةً نحو فكرٍ قوميٍّ تلميعيّ. فالحفلة تنادي "بتركيا مستقلّة"، وهو مطلب يأتي عادةً من صفوف القوميّين الأتراك الذين يرون أنّ تركيا تقبع تحت هيمنة واشنطن، أو تُدار من قبل وول ستريت.

ومن أوجه تلك الشعبويّة اعتقادهم أنّ "الحكم الحقيقيّ للشعب" كفيلٌ بنزع كلّ المشاكل والتفاوت الاجتماعيّ. وهم يرون كذلك أنّ "حرب التحرير" التي خاضها كمال أتاتورك بين عامي 1919 و1923 والتي كان عليها التأسيس لتركيا مستقلّة، كانت قبل كلّ شيءٍ حملةً لتتريك منطقة الأناضول.

تلك المواقف الشعبويّة ليست الإشكال الوحيد الذي يعتري الأسس الأيديولوجيّة لفرقة يوروم. فهي، مثلها مثل عديد الاتجاهات السياسيّة المؤدلجةٍ بمنطقة الشرق الأوسط، منغمسةٌ في الاحتفاء بفكرة الاستشهاد الذي كلّف وما زال يكلّف الكثير من الضحايا، لاسيّما وإن تواصلَ تلقين هذه المبادئ للجيل الشاب، الذي ما فتئ يبحث عن إجاباتٍ واضحةٍ وبسيطة لحالة الغضب الطبيعيّة لديه جرّاء الأوضاع المأساويّة التي يعيشها عالمنا اليوم، وكذا يبحث عن مخرجٍ من حالة العجز سواء أحقيقيّة كانت أَم محسوسة.

توقفوا عن تقديس الموت!

وثقافة الاحتفاء بالشهداء تلك هي ما يجمع بين كلٍّ من الإسلاميّين وحزب العمّال الكردستاني والقوميّين الأتراك والاشتراكيّين الثوريّين، رغم كلّ الاختلافات القائمة بينهم، والتي هي في كثيرٍ منها اختلافاتٌ جوهريّة. إذ لا يَنظر كلّ هؤلاء إلى الموت كشرٍّ وجب تفاديه ما أمكن، بل إنّهم يصوّرونه كأسمى الدرجات في مسيرة الكفاح البطوليّة.  

فالحدّ الفاصل بين الجهاديّين الذي يبتغون دخول الجنّة مباشرةً عن طريق تفجير أنفسهم، وبين هتافات "شِهيد ناميرين" الكرديّة (أي: الشهداء لا يموتون) التي تُرفع في مظاهرات الأكراد، أو بين القوميّين الأتراك الحاملين لراياتهم أعلامهم الخفاقةً صارخين: "الشهداء خالدون والوطن غير قابلٍ للتقسيم" (شعارٌ يُرفع عادةً عندما يسقط جنودٌ أتراك في مواجهة حزب العمّال الكردستاني، وهو بالتركية "شِهيدلر أولمِز، وطن بولينمِز")، هو حدٌّ أكثر ضيقًا مما يعتقده هؤلاء، وهو ما لا يحبّذون سماعه بكلّ تأكيد.

 

 

وكما أنّه على أقارب الجنود الأتراك المكلومين على وفاة أبنائهم في مقتبل أعمارهم، أن يتساءلوا عن دور الفكر القوميّ التركيّ والنزعة العسكرية التي يحملونها في مقتل أبنائهم بمرتفعات جنوب شرق الأناضول، يتوجّب كذلك على اليساريّين الأتراك والأكراد مراجعة ثقافتهم المتعلقة بتقديس الشهداء.  

فهذه الأوساط تمجّد الناشطة وعضوة فرقة يوروم، هيلين بوليك التي نالت في الآونة الأخيرة شهرةً ذات طابعٍ تراجيديٍّ ، بوصفها بطلةً جسّدت قيم الصمود في وجه الظلم. وبحسب رأي هؤلاء يقع اللوم على الفاشيّة التركيّة.

وبالفعل فإن هيلين بوليك كان عليها تحمّل قدرٍ كبيرٍ من الظلم. ففي عام 2016 أُلقي القبض على المغنيّة ذات الأصول الكرديّة برفقة موسيقيّين آخرين بتهمة "نشر دعايةٍ إرهابيّة"، وقد قبعت من ذلك التاريخ داخل السجون. وأغلقت السلطات بالإضافة لذلك المركز الثقافي الذي كانت تنشط هيلين بوليك داخله، وفرضت منع إقامة حفلات غنائيّة على كامل الفرقة.

من إضراب عن الطعام إلى الموت

وقد أعلنت هيلين بوليك ورفقاؤها دخولهم إضراب جوعٍ عن الطعام يوم 17 من شهر مايو / أيار عام 2019 وذلك احتجاجًا على التهمة الموجهة إليهم وعلى القمع العام ومنع إقامة الحفلات.

 

نشطاء من حزب الحركة القومية التركي يرفعون علامة "الذئاب الرمادية" - تركيا. Foto: picture-alliance/AP
تقديس لثقافة الموت عابر للحدود الأيديولوجيّة: ثقافة الاحتفاء بالشهداء هي ما يجمع بين كلٍّ من الإسلاميّين وحزب العمّال الكردستاني والقوميّين الأتراك والاشتراكيّين الثوريّين، رغم كلّ الاختلافات القائمة بينهم، والتي هي في كثيرٍ منها اختلافاتٌ جوهريّة. إذ لا يَنظر كلّ هؤلاء إلى الموت كشرٍّ وجب تفاديه ما أمكن، بل إنّهم يصوّرونه كأسمى الدرجات في مسيرة الكفاح البطوليّة.

 

ولم يسبق لهذا الشكل من أشكال الاحتجاج الشنيع، جبنًا إلى جنب مع الانتحار حرقًا، أن أثمر عن أيّ نجاحٍ يُذكر، على الرغم من كونه تقليدًا متوارثًا لدى بعض أوساط اليسار الكرديّ والتركي. ولكن حتّى وإن أثمر عن نجاحٍ ما، يبقى هذا الأسلوب المميت المعادي للحياة أمرًا بغيضًا، سواء كان في سبيل الوطن أو من أجل غاية أسمى أو من أجل "القائد".
 
وقد قامت قوى الأمن بنقل هيلين بوليك ورفاقها إلى المستشفى، وذلك قبل أسابيع قليلة من وفاتها. ولكنّهم رفضوا أيّ شكلٍ من أشكال التدخّل الطبيّ. ويحتفي الكثيرون بهيلين بوليك لأنّها أقدمت على عمليّة الانتحار المروّعة تلك، سواء بتركيا أو بشمال العراق أو بإيران، أو حتّى داخل ألمانيا أيضًا. ولقد كانت الأصوات المندّدة بثقافة الموت وبالفكر الأيدولوجيّ المتحجّر لا تكاد تعدّ على الأصابع، وسط سيلٍ من بيانات التأييد الخالية تمامًا من كلّ شكلٍ من أشكال الشفقة.

إن كلّ حالة موت هي خسارة أكثر مما ينبغي. ولذا فإنّ على اليسار التركيّ والكرديّ أن يكفّ عن التضحية بأتباعه وعن التعامل معهم كجيش مع جنوده. وها هو الوقت قد حان لإعادة الاعتبار للشيء الأهم في خضمّ المعركة من أجل الحرية والعدالة، ألا وهو: الحياة.

 

تايفون غوتشتات

ترجمه: صهيب فتحي زمّال

حقون النشر: موقع قنطرة 2020

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة