توقفوا عن تقديس الموت!

وثقافة الاحتفاء بالشهداء تلك هي ما يجمع بين كلٍّ من الإسلاميّين وحزب العمّال الكردستاني والقوميّين الأتراك والاشتراكيّين الثوريّين، رغم كلّ الاختلافات القائمة بينهم، والتي هي في كثيرٍ منها اختلافاتٌ جوهريّة. إذ لا يَنظر كلّ هؤلاء إلى الموت كشرٍّ وجب تفاديه ما أمكن، بل إنّهم يصوّرونه كأسمى الدرجات في مسيرة الكفاح البطوليّة.  

فالحدّ الفاصل بين الجهاديّين الذي يبتغون دخول الجنّة مباشرةً عن طريق تفجير أنفسهم، وبين هتافات "شِهيد ناميرين" الكرديّة (أي: الشهداء لا يموتون) التي تُرفع في مظاهرات الأكراد، أو بين القوميّين الأتراك الحاملين لراياتهم أعلامهم الخفاقةً صارخين: "الشهداء خالدون والوطن غير قابلٍ للتقسيم" (شعارٌ يُرفع عادةً عندما يسقط جنودٌ أتراك في مواجهة حزب العمّال الكردستاني، وهو بالتركية "شِهيدلر أولمِز، وطن بولينمِز")، هو حدٌّ أكثر ضيقًا مما يعتقده هؤلاء، وهو ما لا يحبّذون سماعه بكلّ تأكيد.

 

 

وكما أنّه على أقارب الجنود الأتراك المكلومين على وفاة أبنائهم في مقتبل أعمارهم، أن يتساءلوا عن دور الفكر القوميّ التركيّ والنزعة العسكرية التي يحملونها في مقتل أبنائهم بمرتفعات جنوب شرق الأناضول، يتوجّب كذلك على اليساريّين الأتراك والأكراد مراجعة ثقافتهم المتعلقة بتقديس الشهداء.  

فهذه الأوساط تمجّد الناشطة وعضوة فرقة يوروم، هيلين بوليك التي نالت في الآونة الأخيرة شهرةً ذات طابعٍ تراجيديٍّ ، بوصفها بطلةً جسّدت قيم الصمود في وجه الظلم. وبحسب رأي هؤلاء يقع اللوم على الفاشيّة التركيّة.

وبالفعل فإن هيلين بوليك كان عليها تحمّل قدرٍ كبيرٍ من الظلم. ففي عام 2016 أُلقي القبض على المغنيّة ذات الأصول الكرديّة برفقة موسيقيّين آخرين بتهمة "نشر دعايةٍ إرهابيّة"، وقد قبعت من ذلك التاريخ داخل السجون. وأغلقت السلطات بالإضافة لذلك المركز الثقافي الذي كانت تنشط هيلين بوليك داخله، وفرضت منع إقامة حفلات غنائيّة على كامل الفرقة.

من إضراب عن الطعام إلى الموت

وقد أعلنت هيلين بوليك ورفقاؤها دخولهم إضراب جوعٍ عن الطعام يوم 17 من شهر مايو / أيار عام 2019 وذلك احتجاجًا على التهمة الموجهة إليهم وعلى القمع العام ومنع إقامة الحفلات.

 

نشطاء من حزب الحركة القومية التركي يرفعون علامة "الذئاب الرمادية" - تركيا. Foto: picture-alliance/AP
تقديس لثقافة الموت عابر للحدود الأيديولوجيّة: ثقافة الاحتفاء بالشهداء هي ما يجمع بين كلٍّ من الإسلاميّين وحزب العمّال الكردستاني والقوميّين الأتراك والاشتراكيّين الثوريّين، رغم كلّ الاختلافات القائمة بينهم، والتي هي في كثيرٍ منها اختلافاتٌ جوهريّة. إذ لا يَنظر كلّ هؤلاء إلى الموت كشرٍّ وجب تفاديه ما أمكن، بل إنّهم يصوّرونه كأسمى الدرجات في مسيرة الكفاح البطوليّة.

 

ولم يسبق لهذا الشكل من أشكال الاحتجاج الشنيع، جبنًا إلى جنب مع الانتحار حرقًا، أن أثمر عن أيّ نجاحٍ يُذكر، على الرغم من كونه تقليدًا متوارثًا لدى بعض أوساط اليسار الكرديّ والتركي. ولكن حتّى وإن أثمر عن نجاحٍ ما، يبقى هذا الأسلوب المميت المعادي للحياة أمرًا بغيضًا، سواء كان في سبيل الوطن أو من أجل غاية أسمى أو من أجل "القائد".
 
وقد قامت قوى الأمن بنقل هيلين بوليك ورفاقها إلى المستشفى، وذلك قبل أسابيع قليلة من وفاتها. ولكنّهم رفضوا أيّ شكلٍ من أشكال التدخّل الطبيّ. ويحتفي الكثيرون بهيلين بوليك لأنّها أقدمت على عمليّة الانتحار المروّعة تلك، سواء بتركيا أو بشمال العراق أو بإيران، أو حتّى داخل ألمانيا أيضًا. ولقد كانت الأصوات المندّدة بثقافة الموت وبالفكر الأيدولوجيّ المتحجّر لا تكاد تعدّ على الأصابع، وسط سيلٍ من بيانات التأييد الخالية تمامًا من كلّ شكلٍ من أشكال الشفقة.

إن كلّ حالة موت هي خسارة أكثر مما ينبغي. ولذا فإنّ على اليسار التركيّ والكرديّ أن يكفّ عن التضحية بأتباعه وعن التعامل معهم كجيش مع جنوده. وها هو الوقت قد حان لإعادة الاعتبار للشيء الأهم في خضمّ المعركة من أجل الحرية والعدالة، ألا وهو: الحياة.

 

تايفون غوتشتات

ترجمه: صهيب فتحي زمّال

حقون النشر: موقع قنطرة 2020

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة