مهما أبدع النظامان الجزائري والسوداني في المناورة والمراوغة، فالشعوب المقهورة والمغلوب على حالها، لن ترضى في الموجة الثورية الحالية بما دون إسقاط النظام في الجزائر والخرطوم. فمطلب اجتثاث الدولة العميقة -أي تغيير العقل السياسي الذي يسيِّر البلاد، لصالح إقامة شرعية جديدة للسلطة، من خلال تعاقدات جديدة، يتمتع فيها المواطن بالكلمة الفصل في صياغتها شكلا ومضمونا.

سقوط وهم تخويف الشعوب بمصير تجارب سابقة

تعيش الشعوب العربية اليوم -مع الموجة الثانية للحراك- على وقع لحظة مفارقة، تكشف عن تغيير عميق في بنية الوعي، أسقط وهم تخويف الشعوب بمصير تجارب سابقة في الإقليم (ليبيا، سوريا، اليمن...). وتمكن من خلخلة موازين القوى السياسية؛ جاعلا مؤسسات الوساطة التقليدية في الدولة/النظام من أحزاب ونقابات... على محك الاختبار والاختيار بين الانحياز للشعب أو الدفاع عن النظام.

لكن الملاحظ أن هذا التغيير لدى الشعوب، لم يواكبه تجديد في آليات تدبير الأزمات لدى صناع القرار السياسي. فعادةً ما يبدأ الأمر بالتجاهل والتخوين والعناد والمماطلة، لينتهي بالعنف والقمع والسجن والقتل. ما يؤدي إلى التصعيد، ورفع سقف المطالب، ومزيد من تأزيم الأوضاع.

وهذا هو المنحى الذي يدفع البشيرُ الأحداثَ لتتخذه في السودان. في حين تظل الصورة الجزائر ملتبسة إلى حد كبير، جراء الصراع المحتدم بين أطياف الدولة العميقة بشأن الحل الممكن لتجاوز الأزمة.

تظاهر آلاف الطلاب مجددا في وسط العاصمة الجزائر وفي عدة مدن أخرى الثلاثاء (الخامس من مارس / آذار 2019) احتجاجا على ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، رافضين وعوده باجراء إصلاحات وانتخابات رئاسية مبكرة.
سقوط وهم تخويف الشعوب بمصير تجارب سابقة: تعيش الشعوب العربية اليوم -مع الموجة الثانية للحراك- على وقع لحظة مفارقة، تكشف عن تغيير عميق في بنية الوعي، أسقط وهم تخويف الشعوب بمصير تجارب سابقة في الإقليم (ليبيا، سوريا، اليمن...). وتمكن من خلخلة موازين القوى السياسية؛ جاعلا مؤسسات الوساطة التقليدية في الدولة/النظام من أحزاب ونقابات... على محك الاختبار والاختيار بين الانحياز للشعب أو الدفاع عن النظام، كما يكتب محمد طيفوري.

 

{لقد سقطت السرديات التي تسوقها الأنظمة سنين عددا، وتستند إليها لتبرير وشرعنة أي قمع موجه ضد مواطنيها. فمقايضة الحرية والديمقراطية بالسلم الأهلي، لم تعد مقبولة بالنسبة للجزائريين. فيما يرفض السودانيون نظرية المؤامرة وأكذوبة الاستهداف الإمبريالي الغربي لنظامه التي يروج لها الرئيس البشير، ويجدد بها شرعيته الانقلابية المتهالكة منذ عقود. – كما يستخلص محمد طيفوري}

 

يبقى النظام في موريتانيا أذكى نسبيا، قياسا إلى بقية الأنظمة العسكرية في السودان والجزائر وحتى في مصر، حين رفض الرئيس محمد ولد عبد العزيز مبكرا، مقترح تعديل الدستور الموريتاني، كي يمنحه حق الترشح لولاية ثالثة. مفضلا في المقابل، استنساخ التجربة الروسية بين فلاديمير بوتين وديمتري ميدفيديف، من خلال دعم صديقه وزير دفاعه الحالي محمد ولد الشيخ أحمد الغزواني، الذي عُين قبل أشهر فقط على رأس هذه الوزارة، في خطوة أولى تُمهد له الطريق نحو الرئاسة.

المنطقة مقبلة على تحولات كبرى

أيا تكن مآلات الموجة الثانية من الاحتجاجات، وكيفما كانت نتائجها في الساحتين السودانية والجزائرية، فالحقيقة الثابتة هي أن المنطقة مقبلة على تحولات كبرى في القادم من السنوات.

لكن أهم تحول يسجل هو تعاقب الموجات الاحتجاجية والحركات الثورية الشعبية، بشكل لن تكون الأنظمة كيفما كانت -عسكرية أو أمنية أو قبيلة- قادرة معه على مواجهتها، إن ظلت وفية للأساليب التقليدية عند التعامل معها.

باختصار، إنها الطرقة الثانية لنسائم الحرية على بابين من أبواب وطن ممتد من البحر إلى البحر، والأكيد أن طرقات أخرى قادمة لا محالة على أبواب أخرى، ما على الأنظمة الاستبدادية سوى التحضير لها، فالشعوب على أهبة الاستعداد للطرق.

 

 

محمد طيفوري

حقوق النشر: محمد طيفوري / موقع قنطرة 2019

ar.Qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.