حين نسمَعُ آلة الـ "سُوكُو" وهي تَنسُجُ صوتَها ما بين الجيتار وعُدَّة الطُّبُول والكونترباس، نشعُر وكأنّنا نسمَع أصداءَ الماضي والحاضِر وهما في حالةِ انسجام. وكأنّ رَنين الـ "سُوكُو" هو صدًى للماضي الذي يَغرِسُ الحاضر في التاريخ وفي التُّراث. 

مثل الكثير من الموسيقى البَديعَة التي تأتينا من مالي، يأخُذ سِيسِّه على عاتقه مسؤوليةً كبيرة، وذلك في احترامه للتقاليد من جهة وفي نظرته إلى المستقبَل من جهةٍ أخرى، فيما لا يتقيَّدُ بطرَفٍ دون الآخَر. ألبوم "أَنُورا" في واقِع الحال هو مُدمَجٌ جميلٌ للماضي والحاضر معًا. حاله حال أغلب مُعاصريه من الفنّانين، يَحبُكُ سِيسِّه هذه التّوليفة عبر توظيفِ المُحتوَيَين الموسيقِيّ والغِنائيّ على حد سواء.

غلاف ألبوم "أَنُورا" لأَنانسِي سِيسِّه (توزيع تسجيلات "ريڤِيربُوت") (distributed by Riverboat Records)
"كان عامُ 2020 صعبًا علينا، وعلى العالم أجمَع. لكن عند سماعنا هذا الرجُل الذي عانَى طويلًا، والذي يأتي من بلدٍ بعيدٍ كلّ البُعد عن أوطاننا، نَجِدُه يُبَلِّغنا رسالةً ملؤها الأمل، ممّا يَغمُرُنا بالدَّهشة والفَرحة في آن. وإن كنتَ، مثل أغلبنا، مُحتاجًا إلى الرَّفع من معنويّاتِك، فإنّ ألبوم "أَنُورا" قد يكونُ هو المُحَفِّز المُبهِج الذي تحتاج"، وفق ما يُخبرنا ريتشارد ماركُوس.

بالإضافة إلى الآلتين المذكورتين أعلاه، يَحوي المزيج الموسيقيّ لسِيسِّه آلاتٍ إيقاعيّة تقليديّة مثل آلة الـ "كالاباش" [المصنوعة من ثَمَرَة القَرع]. بطريقةٍ أو بأخرى، تتحاوَرُ هذه الآلات بأسلوبٍ تكافُلِيّ من شأنه أن يجمَعَهُم في فرقةٍ موسيقيّةٍ مُعاصِرة مكوَّنة من الجيتار والكونترباس وعُدَّة الطُّبول، بالإضافة إلى البيانو الكهربائي، وذلك للوصول إلى صوتٍ مُتناغِمٍ أخَّاذ. 

بالنسبة لكلمات الأُغنيات في الألبوم، اختارَ سِيسِّه أن يُغَنِّيها بلُغة "سُونغاي" المُتوارَثَة. رغم ذلك، تَعكِسُ هذه الكلمات مشاعرَ سِيسِّه تجاه  تُراثِه وحاضِره في مالي. هو ليس بالشيء الجديد أن يكونَ الموسيقييون في تلك المنطقة حُرَّاسًا لحكايات الشعب: في أغنياتٍ مثل "سِيسِّه" و "تِيارا" و "فُوسَّا فُوسَّا"، يقومُ سِيسِّه برواية هذا التاريخ لنا.

السَّراء تتفوقُ على الضَّراء

الأغنية الأولى منهنّ، بعنوان "سِيسِّه"، تتناوَلُ بطبيعة الحال تاريخَ عائلته الذي يعودُ إلى الأولياء المُتَفَقِّهين في الإسلام – المعروفين بِاسم "مارابُو" [المُرابِطُون] – من شمال مالي. أما "تِيارا" و "فُوسَّا فُوسَّا"، فهما تأخُذان هيئةَ حِوارٍ مُغَنَّى لسِيسِّه مع اِبنته، يُحدِّثُها فيه عن الاِحتفالات التقليديّة للصغار كما يتذكَّرُها من طفولته. أمّا في الوقت الحاضِر – المتمثِّل في جائِحة كوڤيد والعُنفِ المُتَفَشِّي في المنطقة – فقد وَضَعَت هذه الظروف حَدًّا لأيّ احتِفالٍ من هذا القَبيل.

فيما نحن غير قادِرين على فَهم اللغة التي يستخدِمُها سِيسِّه في الألبوم، مازلنا قادرين على فَهم الرسالة من وراء الكلمات، فهذه هي موهبته الموسيقيّة التي تجعَلُنا نشعُرُ بالعواطف التي يُعَبِّرُ عنها. ورغم أنّنا نَلمس السعادة التي تعتريه بمناسبة ولادة اِبنته، كأيّ أب، إلّا أنّنا نَلمس كذلك حُزنًا مَخفِيًّا على الحالة المُزريَة التي آلَت إليها مالي.

لو فكَّرنا في أنّ سِيسِّه قد شَرَعَ في العمل على هذا الألبوم عام 2017، وأنّه توقَّفَ عن العمل فيه عام 2018 بعد الكمين الذي نَصَبَتهُ الجماعة المُسلَّحة، فإن من شأننا عند ذلك أن نَعِي الإنجازَ الاِستِثنائيّ الذي يُمثِّلُه ألبوم "أَنُورا" في رسالته السامِيَة والإيجابيّة، روحًا وإحساسًا. كان العامُ الماضي 2020 صعبًا علينا، وعلى العالم أجمَع. لكن عند سماعنا هذا الرجُل الذي عانَى طويلًا، والذي يأتي من بلدٍ بعيدٍ كلّ البُعد عن أوطاننا، نَجِدُه يُبَلِّغنا رسالةً ملؤها الأمل، ممّا يَغمُرُنا بالدَّهشة والفَرحة في آن. وإن كنتَ، مثل أغلبنا، مُحتاجًا إلى الرَّفع من معنويّاتِك، فإنّ ألبوم "أَنُورا" قد يكونُ هو المُحَفِّز المُبهِج الذي تحتاج.

 

 

ريتشارد ماركُوس

ترجمة: ريم الكيلاني

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة