لقد وصل إحباطُ الفلسطينيين من استمرار الاحتلال إلى ذروته في الانتفاضة الأولى عام 1987. وهنا تبدأ بالنسبة لآفي مغربي المرحلة الثانية الممتدة من عام 1987 وحتى عام 2000، والمسماة باسم "فقدان السيطرة". كان الرد الإسرائيلي على الاحتجاجات وحشيًا. فقد أوصى مهندسُ اتّفاقيات أوسلو المستقبلية ورئيسُ الوزراء الإسرائيلي لمرتين إسحاق رابين جنودَه بأن "يكسروا للفلسطينيين أيديهم وأرجلهم" (سياسة كسر العظام)، وتُثبت شهادات الجنود أنَّهم قد فهموا ذلك تمامًا بمعناه الحرفي. لا تزال توجد لدى بعض الجنود حتى اليوم في منازلهم الهراواتُ العسكرية، التي كان يجب عليهم استخدامها لقمع المقاومة.

مجتمع مصاب بصدمة من التعسُّف والانتقام

يهمس آفي مغربي بتوسُّل مرة أخرى أمام الكاميرا قائلًا: "المهم الآن هو استعادة السيطرة. سيطرة على الأجساد، الفردية والجماعية". ومن أجل ذلك لا غنى -بحسب تعبيره- عن الاعتقالات الجماعية: "عندما تعتقل شخصًا ما فأنت ترسل رسالة إلى أسرته وإلى كلّ المجتمع".

وهذا صحيح، فقد تعرَّض أربعون في المائة من الفلسطينيين الذكور للسجن مرةً في سجون الاحتلال. وقد بات من الطبيعي تمامًا أن يكون لدى كلّ عائلة فلسطينية أعمام وآباء وأبناء (أغلبهم رجال) يغيب بعضهم طيلة سنوات في السجون (الإسرائيلية)، وكأنما الفلسطينيين شعبٌ من المجرمين. غير أنَّ هذا الوضع غير طبيعي مطلقًا ويُصيب المجتمع بصدمة ويدمِّره - ويحقِّق بذلك هدف الاحتلال وفقًا لدليل آفي مغربي السوداوي.

وسنوات عملية أوسلو للسلام لم تكن في هذا التحليل بارقة أمل، بل هي الأساس لترسيخ الاحتلال بشكل نهائي، يتجلى في نظام معقَّد ومحيِّر جزئيًا من الحواجز ونقاط التفتيش الطيارة وإصدار التصاريح وسحبها ومنح امتيازات في المناطق المحتلة. وفي قراءة آفي مغربي للوضع، أصبح التعسُّف والاستبداد عند هذه المرحلة أداة حكم ممنهجة.

ويتحدَّث الجنود حول عمليات مداهمة وتفتيش ليلية لمنازل الفلسطينيين، الغرض الوحيد منها هو فقط إرسال رسالة تفيد بأنَّ بإمكانهم الحضور في كلِّ وقت وفي كلِّ مكان. قامت مؤخَّرًا كلٌّ من منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية "كسر الصمت" ومنظمة "ييش دين" ومنظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" بتحليل الآثار الصادمة لعمليات المداهمة وتفتيش المنازل هذه في تقرير شامل.

 

 
 

يُطلق آفي مغربي على الفصل الأخير اسم "فقدان السيطرة التام"، والذي يشمل الفترة من عام 2000 حتى يومنا هذا. لم تعد توجد حتى في دليل آفي مغربي إجابات على عمليات الفلسطينيين الانتحارية والعنف والعنف المضاد غير المحدود خلال الانتفاضة الثانية في عام 2000؛ التي مات فيها أكثر من أربعة آلاف شخص: تسعمائة وخمسون إسرائيليًا وثلاثة آلاف ومائتا فلسطيني.

وهنا يتحوَّل الانتقام والتعسُّف إلى حالة عادية. ويتضح عند هذه المرحلة على أبعد تقدير أنَّ: "دليلَ تعليمات" آفي مغربي "للاحتلال الناجح" كارثةٌ، "وصفةٌ لكارثة". إذ إنَّ ما يبدو ساخرًا هو في الواقع محاولةٌ لتتبُّع جذور الاحتلال وأصوله.

يترك آفي مغربي المشاهد من دون سبب يدعو كثيرًا للتفاؤل، حتى وإن لم يتَّضح بعد إن كان من الممكن إتمام عملية الاستيلاء على  الأراضي الفلسطينية. في عهد ترامب كاد حلم اليمين الإسرائيلي بضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية بشكل رسمي أن يتحقَّق. ينتهي الفيلم بحربي غزة في عام 2008 ("عملية الرصاص المصبوب") وفي عام 2014، اللتين لم يمنحهما الفيلم سوى مساحة صغيرة، على الرغم من أنَّ منظمة "كسر الصمت" قد وثَّقت هنا جرائم خطيرة بشكل خاص. يخشى الكثير من المراقبين الإسرائيليين من استمرار "دليل تعليمات الاحتلال" بفصول أخرى مظلمة - مثل تهجير الأهالي من المناطق المحتلة.

ولكن يوجد أيضًا مستوى دولي لا يتناوله آفي مغربي، الذي يهتم بوجهة النظر الإسرائيلية الداخلية الذاتية. وتوجد هنا أشياء أخرى مهمة غير "دليل تعليمات الاحتلال"، مثل اتِّفاقيات جنيف. وها هي قد قرَّرت للتو المحكمة الجنائية الدولية ببدء التحقيق في الجرائم الإسرائيلية والفلسطينية في المناطق المحتلة. ومن هذه الناحية، لا يزال يوجد أمل في أن تتم في المستقبل محاسبة المسؤولين عن جميع ضحايا العنف - ومن كلا الطرفين.

 

رينيه فيلدأنغل

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

.............

طالع/ـي أيضا

حوار مع الفيلسوف الإسرائيلي عمري بوم

ـ"جمهورية حيفا"ـ المساواة للإسرائيليين والفلسطينيين في دولة واحدة

.............

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة