هناك اعتقاد خاطىء بكون بيتهوفن لم يبدأ مرحلة الإبداع إلا بعد وصوله إلى فيينا. فالواقع أنه أكمل في عاصمة الإمبراطورية النمساوية الكثير من المسودات التي كان قد أعدها في بون كبعض السنفونيات وأعمال السونات ومعزوفات البيانو والكمان. رغم ذلك فقد ألهمت عاصمة الفن والأنس فيينا بيتهوفن الكثير من أعماله وسهلت اتصالاته بالنبلاء وغيرهم من أصحاب النفوذ في القارة الأوروبية.

أمجاد موسيقية رغم صمم شبه كامل

أصيب بيتهوفن بصمم شبه كامل بعد بلوغه سن الثلاثين والمدهش إن لم نقل من قبيل المعجزة أن ذلك لم يقف حجر عثرة في طريقه نحو المزيد من الأمجاد الموسيقية، بل استطاع تلحين أروع السينفونيات بما فيها التاسعة رغم هذا المرض الذي حل به. وهنا احتار علماء الموسيقى في تفسير هذه الظاهرة غير المسبوقة. والأغلب أن اهتزازات أعصاب الجسم جعلت هذا الموسيقار قادرا على استيعاب أعماله الموسيقية ومتابعتها وتنقيحها على النحو المنشود.

من أهم فعاليات مدينة بون بمناسبة يوبيل بيتهوفن معرض افتتح في منتصف شهر ديسمبر (كانون الثاني) 2019 في المتحف الاتحادي حول حياة بيتهوفن وعطائه الفني يستغرق عدة شهور.
 

 

والأهم والأكثر تخصصا منه مهرجان بيتهوفن السنوي Beethoven-Fest الذي سيتألف عام 2020 أي في يوبيل ميلاد بيتهوفن قبل 250 عاما من فصلين لا من فصل واحد كما جرت العادة، حيث تجرى فعاليات على مرحلتين أي في شهري مارس (آذار) وسبتمبر (أيلول).

ويشارك بالمهرجان على سبيل المثال دانييل بارينبويم Daniel Barenboim الذي سيقود أوركسترا برلين في السنفونية التاسعة المسماة "ملحمة الحرية" التي أصبحت شعار الاتحاد الأوروبي فنياً.

ربما يعرف بعض القراء هذا النابغة اليهودي الذي سبق له أن أسس مع العالم الفلسطيني أدوارد سعيد "ديوان الشرق والغرب" الموسيقي، المنطلق من حتمية تكريس فكرتي المساواة والعدالة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

مشاركة عربية مسلمة ضئيلة في مسابقة أحسن عازفي البيانو

جرت في بون في ديسمبر 2019 مسابقة أحسن عازفي البيانو التي تعقد كل عامين تحت إشراف المؤسسة الألمانية للاتصالات (دويتشه تيليكوم) Deutsche Telekom وأصبحت هذه المسابقة تحمل من الآن وصاعدا اسم بيتهوفن.

كان كل الفائزين الثلاثة هذا العام 2019 (الجائزة الأولى: 30000 يورو، الثانية :20000 يورو والثالثة 10000 يورو) من شرق آسيا وتحديدا من الصين (كونمو ين) واليابان(يوتو تاكيتسافا) وكوريا الجنوبية(الشابة شيهايون لي). الجدير بالذكر أن نسبة الآسيويين الفائزين بهذه الجائزة منذ انطلاقها عام 2005 عالية وتضاهي نسب المشاركين الأوروبيين والأمريكيين.

 

 

أما نسبة المشاركين من البلدان المسلمة والعربية فضئيل للغاية حيث بلغ عددهم ثلاثة أشخاص أحدهم أردني (كريم سعيد) وتركيان (براك تشيبي وإيمره إليفور) ولم يصل أي منهم إلى التصفيات الختامية.

هذا لا يعني إطلاقا بأن هذه المنطقة تفتقر إلى الفنانين الموهوبين المتخصصين بأنماط الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية ابتداء من الباروك وانتهاء بالرومانسية والكلاسيكية الحديثة. لكن المشكلة تكمن في كونهم أقلية ضئيلة لا تتلقى الدعم المعنوي والمادي واللوجستي اللازم سواء من الدولة أو من المؤسسات العاملة في ميادين الموسيقى والفنون.

أما في حالة الدول الآسيوية السابقة الذكر فالملاحظ أن هذا النمط من الموسيقى لا يقتصر على فئات نخبوية ضئيلة للغاية، بل يشمل نسائج اجتماعية متعددة تشكل نسيجا اجتماعيا لا يستهان بأمره ونفوذه.

ينبغي أن نضيف في حالة كوريا الجنوبية بأن نسبة المواطنين الذي اعتنقوا الديانة المسيحية في العقود الماضية وصل إلى قرابة 40% من السكان. وقد تزامن ذلك مع تزايد غير مسبوق في تأثير التبشير المسيحي والثقافة الغربية على حياة نسبة عالية من السكان.

كثيرا ما جرى الحديث عن ولع بيتهوفن بالنبيذ الأبيض وخاصة من حوض نهري الراين والمزيل. وكتب بعض مؤرخيه بأنه كان يتلقى دوريا صناديق النبيذ من ألمانيا وتحديدا من تلك المنطقتين.

 

 

الجدير بالذكر في هذا السياق أن والدة بيتهوفن ماريا ماغدلينا تنحدر من عائلة كيفيري في إقليم حوض نهر موزيل في غرب ألمانيا. هذه التسمية أي كيفيري تعود إلى اسم البلدة التي نشأت فيها وما زالت فيها عدة معامل لانتاج أنواع مشهورة من النبيذ الأبيض والأحمر.

وقد عرف عن بيتهوفن ولعه الكبير بالنبيذ كحال الكثيرين من سكان حوضي هذين النهرين المشهورين برومانسية الطبيعة وميل السكان فيهما لما يسمى بالحياة الحلوة، إلا أنه لم تثبت صحة الادعاءات القائلة إن بيتهوفن عهد شرب النبيذ حتى الثمالة، علما بأن نسبة الكحول في النبيذ كانت في عهده أقل كثيرا من الوقت الحاضر. لكن المؤرخين أجمعوا على ميل عائلة بيتهوفن بأغلب أعضائها للنبيذ أبا عن أب بل ربما أما عن أم.

 

عارف حجاج

حقوق النشر: عارف حجاج / موقع قنطرة 2019

ar.Qantara.de
 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة