فتاوى محمد رشيد رضا - عالم دين وصحفي سوري عاش في مصر

سلفية منفتحة على الغرب في مطلع القرن العشرين

محمد رشيد رضا (1865 - 1935) عالم دين وصحفي سوري عاش في مصر وكانت فتاواه تصدر على أنها من ناشر مستقل لمجلة إسلامية، فيها قسم لفتاوى دينية غير ملزِمة تجيب على أسئلة قراء مسلمين في عالم مُعَوْلَم فيه تقنيات غربية جديدة. المؤرخ الغربي ليئور هاليفي يتناول في كتابه "محاكمة الجديد" كيف روَّج محمد رشيد رضا -بفتاواه المؤيدة للرأسمالية والأسواق الحرة- لنسخة سلفية "متحررة"، ويرى أن فتاواه كانت من الأسفل من القاعدة المسلمة مُحَفَّزَة، وليست من الأعلى من السلطة مفروضة. محمد وافي قرأ الكتاب لموقع قنطرة.

في لغة الإعلام الراهنة تحمل كلمة "فتوى" في طياتها الكثير من الدلالات الضمنية السلبية والمعاني الإضافية الرجعية، بعد أن أصبحت مفردة أساسية موائمة لإثارة قضايا إخبارية مثل التهديدات بالقتل وقرارات منع الكتب أو الأعمال الفنية، ومثل أي أوامر دكتاتورية صادرة تتطلب الامتثال إليها دون اعتراض أو تشكيك.

ونظراً لربط الفتوى بتصورات سلبية كثيرة بات من الصعب ربط الفتوى بأي تطور إيجابي أو تنويري، ناهيك عن فهمها كأداة للتيسير أو دافعة للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي.

على مرّ التاريخ الإسلامي لعبت الفتاوى (وهي آراء شرعية للعلماء) دوراً مهماً في توفير الإرشاد الفكري للجموع المسلمة. وبعيداً عن الدور المنسوب إليها كأداة للتهديد والقمع مستخدمة لفرض بنية فوقية أيديولوجية متحجِّرة، فقد ساعدت الفتاوى المجتمعات المسلمة على التوفيق بين عقيدتها وبين المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية الطارئة على العالم الذي تعيش فيه.

الغلاف الإنكليزي لكتاب المؤرخ الغربي ليئور هاليفي "محاكمة الجديد" حول فتاوى محمد رشيد رضا - عالم دين وصحفي سوري عاش في مصر. (published by Columbia University Press)
يكتب المؤرخ الغربي ليئور هاليفي أن "طلبات الفتوى والفتاوى في مجلة المنار لم تعكس تراجعاً للشريعة الإسلامية في زمن الهيمنة الأوروبية ونمو العلمانية، بل عكست وصول الشريعة إلى مناحٍ جديدة من الاهتمام الديني". سعى رضا إلى ترويج نسخة من الإسلام المتحرر كانت "متوافقة تماماً مع الحضارة الأوروبية المعاصرة ومع كل التقدم التكنولوجي فيها تقريباً، ومع كثير من أوجه الراحة المتوفرة فيها، بما في ذلك ورق المرحاض".

وبكلمات أخرى كانت الفتاوى بمثابة وسائل للتقدم والابتكار بدلاً من كونها قراراً يصدر عن عالم ديني رجعي يريد أن يلتزم المجتمع الإسلامي بأساليب المعيشة التقليدية. وبوصفها أدوات للمواءمة والتيسير ساعدت الفتاوى المسلمين على توسيع نطاق فهمهم الإسلام وتمكينهم من التعامل مع حقائق الحياة الجديدة دون تجريدهم من التقاليد الدينية التي تعوَّدوا عليها. 

الفتوى كوسيلة لتنمية الحضارة 

في  كل طور من أطوار تطور تاريخ الحضارة الإسلامية كان هنالك علماء عبروا عن آراء تنويرية أسهمت في مواصلة مهمة بناء الحضارة وقضت على أي شكوك لدى المجتمع. وبإلقاء نظرة خاطفة على أصول التشريع الإسلامي وتطوره، بما فيه من مناهج وتفرعات، يظهر لنا دور الفتوى في توسيع آفاق العلوم الإسلامية وإحداث حيوية مجتمعية. 

كتاب ليئور هاليفي بعنوان "محاكمة الجديد: الإصلاح العالمي والمادي للإسلام في عصر رضا 1865-1935" يلقي نظرة فاحصة على إسهامات فتاوى محمد رشيد رضا في ظهور ما يمكن تسميته بـ"السلفية المتحررة" في مطلع القرن العشرين.

كان رضا مصلحاً إسلامياً مؤثراً لكنْ مثيراً للجدل، وكان قد أفرد قِسماً للفتاوى في مجلته "المنار" منذ عام 1903 وحتى وفاته عام 1935.

على مدى 32 عاماً أصدر رضا حوالي 1060 فتوى، تم جمعها بعد وفاته في مؤلَّف يتكون من ستة مجلدات. جزء كبير من تلك الفتاوى -التي لم تكن ملزِمة أو مفروضة قانوناً- كانَ أجوبةً على استفسارات قرائه وعامة المسلمين من جميع أنحاء العالم الإسلامي. وخدمَت تلك الفتاوى القراء المسلمين في مجتمعهم المُعَوْلَم العابر لحدود البلاد.

وبحكم أن رضا كان صحفياً سورياً يعيش في مصر ولديه خلفية في دراسة العلوم الإسلامية فإنه لم يكن عالم دين عادياً. لذلك لم يطلق على نفسه لقب مفتي، وفضل عليه لقب داعية للإصلاح، وكانت فتاواه تصدر على أنها من ناشر مستقل لمجلة إسلامية.

المؤرخ الغربي ليئور هاليفي صاحب كتاب "محاكمة الجديد" - حول فتاوى محمد رشيد رضا:  عالم دين وصحفي سوري عاش في مصر. (photo: Steve Green/Vanderbilt University Studio)
يستكشف ليئور هاليفي كمؤرخ للإسلام العلاقات التبادلية بين القوانين الإسلامية والممارسات الاجتماعية في سياقات مختلفة، سواء كانت قروسطية أو معاصرة. هو صاحب كتاب "قبر محمد: طقوس الموت وصناعة المجتمع الإسلامي" (صدر عن مطبعة جامعة كولومبيا عام 2007)، وكتاب "محاكمة الجديد: إصلاح الإسلام العالمي والمادي في عصر رضا، 1865-1935" (صدر عن مطبعة جامعة كولومبيا عام 2019).

اعتناق ثمار التقنية الحديثة

يعدّ هاليفي رضا من بين عدد من العلماء والباحثين المسلمين الذين كانوا يصدرون "فتاوى توافقية وسطية" لتشجيع المسلمين على تقبل ثمار التكنولوجيا الحديثة وما جلبته من أسلوب حياة، طالما لم تتعارض مع أخلاق الإسلام وقيمه الأساسية.

في فتاواه البراغماتية وظف رشيد رضا "أدواته القانونية" للتوفيق بين الشريعة الإسلامية والظروف المادية المتغيرة، وساعد من خلال ذلك في تخفيف التوتر بين المتطلبات التجارية والدينية.

من خلال هذه الفتاوى كان رضا يسير على خيط رفيع بين الملاءمة الدينية والانحراف عن الدين. كثير من الأسئلة التي كان يتلقاها كانت تتمحور حول بعض أكثر المواضيع الدينية إثارة للجدل في ذلك الزمان، والمتصلة بالسلع والتقنيات وأنماط الشركات الحديثة.

بعض تلك الأسئلة كانت تتعلق بتبني المسلمين للتقنيات الأوروبية والأمريكية، واستخدام بعض المنتجات الحديثة آنذاك مثل ورق المراحيض والأوراق النقدية وتسجيلات الحاكي (الغراموفون)، وربطات العنق والقبعات، والبناطيل الفرنسية المثيرة جنسياً، بالإضافة إلى الاستفادة من الفرص التجارية الجديدة. من خلال فتاواه، كان رضا يتحدى الاعتقاد بأن الإسلام يضع العراقيل أمام التجارة، وبدلاً من ذلك كان يركز على النصوص الدينية التي تدعم فكرة كون الإسلام دين يسر يفضل التجارة الحرة.

حول ذلك يكتب هاليفي: "طلبات الفتوى في مجلة المنار لم تظهر تراجع الشريعة في زمن الهيمنة الأوروبية أو نمو العلمانية، بل عكست وصول الشريعة إلى مناحٍ جديدة من الاهتمام الديني".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة