فصل من تاريخ صراع شرق أوسطي فلسطيني إسرائيلي امتد إلى أوروبا

رواية "أيلول الأسود" - أجواء قاتمة على مستوى أدبي رفيع

في روايته الصادرة بالألمانية بعنوان "أيلول الأسود"، يغوص الكاتب الألماني ذو الأصول الكردية العراقية الحائز على عدة جوائز، شيركو فتاح، إلى أعماق تاريخ التنظيم الفلسطيني "أيلول الأسود" الذي قام بهجمات إرهابية في سبعينيات القرن الماضي، متحدثًا عن "شباب جُنِّدوا من أجل قضية يُفترض أنها عادلة ليتحولوا -كعجلات صغيرة في آلة ضخمة- إلى ضحايا للمحترفين". قصة ليس فيها أبطال ولا فائزون، ولا يمكن إنكار أهميتها السياسية. فولكر كامينسكي يستعرض هذه الرواية لموقع قنطرة.

بعد إبعاد [مَن وصفوا أنفسهم بالفدائيين] الفلسطينيين من الأردن في عام 1970، ازدادت الاضطرابات في الشرق الأوسط وأصبح لبنان مهدَّدًا باندلاع حرب أهلية. باتت بيروت مركزًا لمختلف المليشيات والجماعات الإرهابية، التي غالبًا ما تعمل في السر - وعلى رأسها تنظيم "أيلول الأسود"، المسؤول عن الهجوم على المنتخب الإسرائيلي في دورة الألعاب الأولمبية 1972 في مدينة ميونيخ الألمانية.

صحيح أنَّ صور هذا الهجوم لا تزال حاضرة في الذاكرة حتى يومنا هذا، ولكن لا يُعرف سوى القليل عن الآثار الدموية والتوسُّع المستمر في النشاطات الاستخباراتية من قِبَل الجماعات المتنافسة بين الفلسطينيين وأجهزة المخابرات الإسرائيلية والأمريكية في الشرق الأوسط.

تبدأ رواية شيركو فتاح بـ"مشهد أكشِن"، مشهد اغتيال رئيس الوزراء الأردني (وصفي التل) في أحد فنادق بيروت، وذلك انتقامًا على ما يبدو لإبعاد [مَن وصفوا أنفسهم بالفدائيين] الفلسطينيين من الأردن. يسرد شيركو فتاح هذا الحدث وكأنَّه يجعله يسير بحركة بطيئة. يصف كيف كان رئيس الوزراء يمشي عبر الصالة، وهو "رجل مُهيبٌ في الخمسين". يمدّ يده في لحظة الهجوم إلى مسدسه لكي يصد مطلقي النار، "لكن طيَّة صدر السترة وقفت في طريقه، ولم تعد يده تصل إلى القفل على مسافة عدة سنتيمترات فقط، ولم يكد يسمع أو يشعر بوابل الرصاص، الذي طرحه على الأرض ...".

بين الحقيقة والخيال

الغلاف الألماني لرواية الكاتب شيركو فتاح: "أيلول الأسود"، صدرت عن دار نشر لوشتَرهاند، سنة 2019، في 384 صفحة.  Luchterhand Verlag
في روايته الصادرة بالألمانية بعنوان "أيلول الأسود"، يغوص الكاتب الألماني ذو الأصول الكردية العراقية الحائز على عدة جوائز، شيركو فتاح، إلى أعماق تاريخ التنظيم الفلسطيني "أيلول الأسود" الذي قام بهجمات إرهابية في سبعينيات القرن الماضي، متحدثًا عن "شباب جُنِّدوا من أجل قضية يُفترض أنها عادلة ليتحولوا -كعجلات صغيرة في آلة ضخمة- إلى ضحايا للمحترفين". قصة ليس فيها أبطال ولا فائزون، ولا يمكن إنكار أهميتها السياسية. فولكر كامينسكي يستعرض هذه الرواية لموقع قنطرة.

تتناوب في الرواية المشاهد الموثَّقة تاريخيًا (مثل اغتيال رئيس الوزراء الأردني في عام 1971) مع أحداث خيالية يُظهِر فيها شيركو فتاح في المقام الأوَّل أفكار أبطال روايته ومشاعرهم وتشابكاتهم، بشكل قريب من الواقع التاريخي.

وهذا يُمَكِّنه من "إعطاء صوت للمتطرِّفين" بالإضافة إلى العاملين في أجهزة المخابرات والمخبرين، الأمر الذي يعتبر - مثلما ذكر في مهرجان برلين الدولي للأدب - "مشروعًا في الأدب". الكثير من المشاهد الموجودة في الرواية "حدثت هكذا تمامًا"، مثلما يقول، وقد كان من المهم بالنسبة له - بحسب تعبيره - أن يتعامل مع هذا الموضوع المثير للجدل "بتعاطف" بدلًا من "المعرفة" البحتة.

لا توجد في الرواية شخصية رئيسية حقيقية. وجهات النظر تتغيَّر مثلما تتغيَّر مجالات الاهتمام المختلفة. فأحيانًا هم موظفو السفارة الأمريكية في بيروت، وأحيانًا مقاتلون شباب و"جنود" من منظمة التحرير، ولكن القصص على كلّ جانب لا تظهر بشكل منفصل، بل توجد اتِّصالات سرِّية وشبكة محبوكة بإحكام من عدم الولاء والخيانة.

وهكذا نشهد صعود لا يمكن إيقافه لشاب فلسطيني بلا وطن، اسمه زياد، يتم تجنيده من قِبَل المخابرات الفلسطينية، ويعمل في مرسيليا كمراسل، ويصبح فيما بعد - بعد تدريبه في المخيَّمات في الشرق الأوسط - مقاتلًا إرهابيًا مسلحًا.

غير أنَّ زياد هذا يعمل أيضًا لصالح وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، ينقل ملفَّات ويكتب تقارير لفيكتور، وهو واحدٌ من أكبر عملاء السي آي إيه في بيروت. بالنسبة إلى زياد وبالنسبة لجميع المشاركين في الأحداث، ينطبق في الواقع ما يلي: يفقد زياد نتيجة تورُّطه في القتال الإرهابي السيطرة على زمام الأمور ويصبح ضحيةً ومُنَفِّذًا مطيعًا لأشخاص أعلى رتبة وأكثر سلطة.

لقاء مع "الأمير الأحمر"

زياد يكره نفسه بسبب خيانته، ولكنه عندما يقابل الرمز العظيم، "الأمير الأحمر" سلامة، الذي يعتبر "رقم واحد" في منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، وهو رجل جذَّاب عيناه باردتان، لا يشعر زياد مطلقًا بأنَّه على أرض آمنة، بل لا يفقد هنا أيضًا شكوكه ومخاوفه ومشاعره المتناقضة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة