الكيل بمكيالين

ومع ذلك فإنَّ هذا لا يُفسِّر حقيقة أنَّ أهالي غزة يحتاجون إلى الحصول على تأشيرات سفر، في حين أنَّ الفلسطينيين الذين يعيشون في الأردن يتمتَّعون بكامل حرِّية التنقل والسفر. غزة كانت دائمًا مرتبطة مع مصر - لكن الضفة الغربية ارتبطت مع الأردن. ولذلك فهل يتمتَّع الفلسطينيون من أهالي الضفة الغربية لدى الأردنيين بقدر أكبر من الثقة التي يتمتَّع بها أبناء عمومتهم المنحدرين من قطاع غزة في الأردن؟ وإذا كان الأمر كذلك، يمكن الافتراض أنَّ غزة تعتبر بمثابة خطر أمني وأنَّ الأردن ينظر إلى أهالي غزة على أنَّهم يشكِّلون تهديدًا للأردن.

وإسرائيل تلعب هي الأخرى دورًا حاسمًا بالنسبة لغزة. ففي الفترة بين عامي 2008 و2014 قتل الجيش الإسرائيلي أكثر من خمسة آلاف فلسطيني في ثلاث حروب. وإسرائيل ترغب في ضمَّ الضفة الغربية، بحيث لا يبقى للفلسطينيين في نهاية المطاف سوى قطاع غزة ليقيموا عليه دولتهم. وكذلك لقد اقترح العالم الأمريكي مارتن غوترمان في عام 1987 تحويل قطاع غزة إلى سنغافورة الشرق الأوسط.

Tunnel zwischen dem Gazastreifen und Rafah; Foto: picture-alliance/dpa
استراتيجية العزل: بدأت مصر مع نهاية عام 2014 بسبب الخوف من تسلُّل الإسلامويين إلى شبه جزيرة سيناء في إقامة منطقة عازلة تمتد على طول حدودها مع قطاع غزة. وقبل ذلك تم تدمير المئات من أنفاق التهريب الممتدة إلى مصر من قطاع غزة، الذي تسيطر عليه منذ عام 2007 حركة حماس. وفي الصيف الماضي بدأ الجيش المصري كذلك يُغرق بمياه البحر المنطقة الحدودية، التي كان من المحتمل أنَّه لا تزال توجد فيها مداخل أنفاق.

ومنذ عام 2004 اتَّبع رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق أرييل شارون خطةً لمنع إقامة دولة فلسطينية والسماح بإقامة دولة في قطاع غزة. وبهذا فهو كان يريد تجنُّب المفاوضات وإعاقة المحادثات حول قضايا النزاع المتعلِّقة باللاجئين والقدس وترسيم الحدود.

وحتى يومنا هذا لا تزال الحكومة الإسرائيلية تقوم بكلِّ شيء من أجل التَخَلُّص من غزة أو إغلاق الحدود إلى أجل غير مسمى. والمشكلة لا تكمن في حماس وحدها، بل كذلك في تاريخ العلاقات بين أهالي غزة والاحتلال.

والأمر نفسه ينطبق على السلطة الوطنية الفلسطينية والإدارة الرسمية من قبل حركة فتح في رام الله. وكلاهما غير معنيَّتين باستعادة سيطرة الحكومة على قطاع غزة، الذي تسيطر عليه حركة حماس. وعلى الرغم من التخطيط لإجراء محادثات للمصالحة بين حماس وفتح، غير أنَّ السلطة الوطنية الفلسطينية لا تستطيع أن تضمن لحماس ولا لأهالي قطاع غزة أية مناصب أو تشغيل موظفين دبلوماسيين أو غير ذلك من المزايا الحكومية.

في رام الله وفي صفوف الحكومة الفلسطينية تعتبر غزة وكأنَّها مرضٌ معدٍ، لا أحد يريد الاقتراب منه كثيرًا. ونتيجة لذلك لا يملك في رام الله فرص التعيين في مناصب مربحة سوى الأشخاص غير المنحدرين من قطاع غزة. وهذا يشير -ليس فقط- إلى العداء تجاه حركة حماس وحدها، بل يشير كذلك إلى العداء تجاه غزة بشكل عام: حيث لا يُنظر وبشكل ممنهج إلى قطاع غزة والضفة الغربية على أنَّهما تشكِّلان كيانًا واحدًا أو شعبًا واحدًا أو دولة مستقبلية واحدة.

تحت رحمة حماس

ويبدو أنَّ أهالي قطاع غزة باتوا متروكين لمصيرهم وتحت رحمة حركة حماس. وفي الواقع إنَّ هذه السياسة تجعل من قطاع غزة ببطء وكذلك بشكل متواصل مرتعًا للمتطرِّفين، يُهدِّد بالانفجار.

الانقسام بين حركتي حماس وفتح والحصار المفروض على غزة وكذلك قيادة حماس العنيدة - كل ذلك يؤدِّي إلى عواقب كارثية بالنسبة لقطاع غزة، مثل: ارتفاع معدَّلات البطالة وزيادة معدَّلات الانتحار وعدم كفاية الإمدادات بالكهرباء والمياه وتوفير الرعاية الطبية، وأوضاع اجتماعية حرجة وزيادة الفقر وارتفاع الضرائب (المفروضة من قبل حماس) على السلع الأساسية، والفساد وانعدام الثقة، بالإضافة إلى القمع السياسي والاعتقالات التعسُّفية للناشطين.

Vermummte Hamas-Mitglieder in Gaza; Foto:picture-alliance/dpa/M. Saber
ظروف تدعم التطرف: "يؤدِّي الانقسام بين حركتي حماس وفتح والحصار المفروض على غزة وكذلك قيادة حماس العنيدة إلى عواقب كارثية بالنسبة لقطاع غزة، مثل: ارتفاع معدَّلات البطالة وزيادة معدَّلات الانتحار وعدم كفاية الإمدادات بالكهرباء والمياه وتوفير الرعاية الطبية، وأوضاع اجتماعية حرجة وزيادة الفقر وارتفاع الضرائب (المفروضة من قبل حماس) على السلع الأساسية، والفساد وانعدام الثقة، بالإضافة إلى القمع السياسي والاعتقالات التعسُّفية للناشطين"، مثلما يكتب عبد الهادي العجلة.

إنَّ مَنْ يُرِدْ تغيير هذه الظروف والمخاطر المرتبطة بها، يجب عليه أن يتَّخذ إجراءات - وتحديدًا الآن. ولذلك يجب على العالم ألاَّ ينظر إلى غزة على أنَّها تمثِّل أزمة إنسانية، بل تمثِّل أزمة سياسية. ويجب على السلطة الوطنية الفلسطينية أن تتعامل مع غزة ككيان واحد، يعتبر جزءًا من هذه السلطة. ويجب عليها أن تدافع عن مصالح أهالي غزة واحتياجاتهم.

ولكن بدلاً عن ذلك فإنَّ السلطة الوطنية الفلسطينية تعمل لصالح مجموعة صغيرة من الناس، الذين أصبحوا من النخبة الجديدة في غزة، في حين أنَّ الأغلبية الكبرى من أهالي القطاع يعيشون في حالة من الفقر والبؤس. وكذلك يجب على كلّ من مصر والأردن أن تعيدا النظر في تعاملهما مع الناس في قطاع غزة. فليس الجميع في غزة يشكِّلون خطرًا أمنيًا. لا سيما وأنَّ لا أحد من أهالي القطاع يحتاج تشكيل مثل هذا الخطر، إذا تم منحهم جميعًا حقوق الإنسان الأساسية.

لقد كتب الكاتب والناشط من مدينة رفح، محمود جودة، على صفحته على الفيسبوك ما معناه: "لا تستمعوا لأي شخص يريد إقناعكم بأنَّ في غزة يوجد أمل. حتى لو حقَّقنا المصالحة السياسية فإنَّ هذه المصالحة لن تنجح بالفعل، لأنَّها ستقوم على أساس تقسيم السلطة السياسية القائم على المحاصصة، ولذلك فسيكون محكوم عليها بالفشل. ومشكلة غزة لا تقتصر على حدودها الجغرافية. فقطاع غزة سفينةٌ تغرق. والحلُّ الوحيد الممكن هو حلٌّ شخصي تمامًا: اُهْرُبْ من السفينة الغارقة قبل أن تموت".

هذه هي غزة وواقعها المؤلم وقصة هذه المدينة - التي لا يريدها أحد.

 

عبد الهادي العجلة

عن الألمانية ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: أوبن ديموكراسي / موقع قنطرة 2016

ar.Qantara.de

 

 

عبد الهادي العجلة باحث علمي فلسطيني يعمل في جامعة ميلانو الإيطالية، ومدير معهد دراسات الشرق الأوسط كندا IMESC، بالإضافة إلى عمله كمدير إقليمي مختص بدول الخليج في معهد "أنواع الديمقراطية" في جامعة غوتنبرغ السويدية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.