فن حديث مرآة تحرر العمال في العالم العربي

عمال الكرامة من المحيط إلى الخليج في لوحات فنية

فنانون في منطقة ممتدة من المغرب إلى البحرين جسدوا في لوحاتهم الفنية على مدى 75 عاما عاملات وعمالا يؤدون واجبهم -جنبا إلى جنب- في مختلف القطاعات كشخصيات رئيسية تعمل بكرامة على دفع حركة التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي في جميع أنحاء العالم العربي. سلطان سعود القاسمي والتفاصيل.

في منتصفِ القرنِ العشرين احتاج الشبابُ العرب -النساء والرجال المشاركون في الاحتجاجاتِ المستمرةِ ضد المؤسسةِ- إلى هتافاتٍ لترديدها ولافتاتٍ لحملها، وقد وفَّرها بسهولةٍ شعراء ورسامون كثيراً ما عُثِرَ عليهم برفقةِ المحتجين في الشوارع.

وشكّلت الحركةُ العماليةُ مكوّناً أساسياً في حركات التحرير هذه، التي وجدت أنصاراً وشركاء متلهفين ضمن أفرادٍ من مجتمعِ الفنون.

وتزامن هذا الجهدُ الجماعي مع تقوية المجموعات ذات النزعة الاشتراكية والشيوعية وفي الكثير من الحالاتِ مع توليها السلطةَ، وهي مجموعات تضعُ حقوقَ العمالِ في المقدمةِ.

تستندُ لوحةُ "كوبري عباس" للفنانةِ المصرية جاذبية سرّي (من مواليد 1925) على أحداثٍ من الحياةِ الواقعيةِ حدثت في المنطقةِ الصناعيةِ في "المحلة الكبرى" في مصر في عام 1947. وقد اعتُبِرت، في ذلك الوقت، الاحتجاجات الأكبر من نوعها في تاريخِ البلادِ.

"لوحة "كوبري عباس" 1955 للفنانة المصرية جاذبية سرّي تستعيدُ احتجاجات جرت في المنطقةِ الصناعيةِ في "المحلة الكبرى" في مصر في عام 1947.  (photo: Sultan Sooud Al Qassemi)
استناداً إلى أحداثٍ حقيقيةٍ: لوحة "كوبري عباس" 1955 للفنانة المصرية جاذبية سرّي تستعيدُ احتجاجات جرت في المنطقةِ الصناعيةِ في "المحلة الكبرى" في مصر في عام 1947. في ذلك الوقت اعتُبِرت الاحتجاجات الأكبر من نوعها في تاريخِ البلادِ. ردّت الحكومة بالقوةِ، ومع ذلك وخلال خمس سنين أطيحَ بالملكِ في ثورةِ الضباطِ الأحرارِ في عام 1952 والتي فيها، وفقاً للباحثةِ هبة الشاذلي، "لعب العمالُ المصريون دور المحفّز السياسي".

ردّت الحكومةُ بالعنفِ، ومع ذلك وبعد خمس سنوات أطيحَ بالملكِ في ثورةِ الضباطِ الأحرارِ في عام 1952 حيث، وفقاً للباحثةِ هبة الشاذلي، "لعب العمالُ المصريون دور المحفّزِ السياسي".

في الحقيقةِ، في عهدِ الرئيس المصري جمال عبد الناصر، شهدت صورةُ العمال تغييراً جذرياً. إذ لم يعودوا مخفيين من الأعمالِ الفنيةِ بعد تلك اللحظة، ولا يصورون في خلفية الأعمالِ الفنيةِ كمتفرجين سلبيين. لقد احتُفِي بهم في الصدارةِ في العديد من أعمالِ الفنانين المصريين.

تكريم البروليتاريا

ربما لم يصوّر الكثير من الفنانين الآخرين العمالَ بكثرةٍ مثل المصري حامد عويس (1919-2011) أو بشكل أكثر تعاطف منه. ففي لوحةٍ تلو الأخرى، صوّرَ اليساري المتحمس الصيادين، والعمال الصناعيين، والفلاحين، والحلاقين ومنظفي الملابسِ كشخصياتٍ كبيرة مركزيةٍ تهيمنُ على التكوينِ. كما أنّ عناوينَ لوحات عويس، التي تكرم البروليتاريا بوضوحٍ، تكشفُ كذلك تعاطفه مع الطبقةِ العاملة.

على سبيل المثال، في أعقابِ النكسة -هزيمة العربِ في حربِ الأيام الستة في عام 1967- رسم فلّاحاً يضعُ ربطةً على رأسه ويحملُ رشاشاً سوفيتي الصنع، وأطلق عليها عنوان "حارس الحياةِ". وهذا يدلُّ على الدرجةِ العاليةِ من الاحترام التي أظهرها جيلٌ كاملٌ من الفنانين في مصر للعمالِ في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

ومن بين المدافعينَ عن الطبقةِ العاملةِ كانت الفنانة إنجي أفلاطون (1924-1989) التي تنحدرُ من عائلةٍ من الطبقةِ الوسطى العليا في القاهرة وتزوجت من وكيلِ النائبِ العامِ الشيوعي (مثلها) محمد محمود أبو العلا. وقد أدى نشاط أفلاطون من أجل حقوقِ العمالِ والنساء إلى سجنها لمدة تزيد عن أربع سنواتٍ.

ومع ذلك لم تعرف روحها الكلل واستمرّت بتصويرِ العمالِ في لوحات لا تُعدّ ولا تُحصى، بما في ذلك "عمال البناء" (1952) و"الذهب الأبيض" (1963)، وهي مستوحاةٌ من مجموعةٍ من عمالِ قطفِ القطن رسمتها في الستينيات من القرن الماضي.

وبشكل مماثل، رسمت الفنانةُ منحة الله حلمي (1925-2004)، المعاصرة لإفلاطون، لوحةً بعنوان "موكب إلى العملِ" (1957)، تُظهِرُ اللوحةُ مجموعةً من العمالِ الذكور والإناث يحملون أدوات عمل، ويسيرون خلف رجلٍ يحمل حمامةً بيضاء -وهي الرمز الشعبي للسلامِ.

أما الفنان جمال السجيني (1917-1977)، فقد صنعّ، أثناء عمله استاذاً في قسمِ النحتِ في كليةِ الفنون الجميلة في القاهرة، تمثالاً برونزياً يحملُ عنوانَ "ناصر" (1960) يصوّرُ الزعيم المصري مع أنصاره من العمالِ والفلاحين، ويمثلون قطاعات صناعية مختلفة.

والرسالة واضحة، يقفُ العمال، من بين آخرين، مع عبد الناصر الذي بدوره يستمدُّ قوته كرئيسٍ منهم.

وفي العراق، كشفت أعمالُ محمود صبري (1927-2012) المبكرة، بما فيها لوحة "عائلة فلاحية" (غير مؤرخةٍ) و"عمال الطابوق" (1957)، عن اهتمامه بمحنةِ العمالِ.

وبينما استمرت مسيرته في النموِ، واصلَ تصويرَ العمالِ في لوحاتٍ مثل "بائع الشلغم" (1950) ولاحقاً، في أعقابِ دراسته في روسيا في أوائلِ السيتينيات من القرن الماضي بأعمالٍ مثل "عائلة من الفلاحين".

وعلى غرار عويس، أعطى صبري لأعماله ألقاباً عكست الاحترام الكبير الذي أبداه لهؤلاء العمال، والذي كان جلياً في تصويره لإعدامِ سلام عادل، الأمين العام الأول للحزبِ الشيوعي العراقي في عام 1963 والتي أطلق عليها صبري اسم "البطل".

مرآةٌ للأحداثِ

 

"تصوّرُ لوحةُ "الأيدي" 1956 للفنان العراقي كاظم حيدر العاملَ المتواضعَ بوصفه بطلاً.  (photo: Waddah Faris, courtesy of: Dia Azzawi)
لوحة مستوحاة من معاناة الطبقةِ العاملةِ العراقيةِ: تصوّرُ لوحةُ "الأيدي" 1956 للفنان العراقي كاظم حيدر العاملَ المتواضعَ بوصفه بطلاً، ببنيةٍ عضليةٍ متينةٍ، وملامحٍ منقوشةٍ، واتزانٍ مثير للإعجابِ وشجاعةٍ في وجهه رغم المحنِ اليوميةِ.

 

أحياناً يمكن أن يكون العمالُ المصوَّرون في الأعمالِ الفنيةِ انعكاساً لأحداثِ الماضي بقدرِ ما هو تنبوء بالمستقبلِ - مثلما هو الحال مع العمل الفني "أخبرنا كيف حدث ذلك" (1957) للفنانِ العراقي كاظم حيدر (1932-1985) والتي يظهرُ فيها شابٌ عاطلٌ عن العملِ من المفترض أنه يروي أحداثَ الحملةِ الدمويةِ ضد المحتجين بناء على أوامرِ رئيس الوزراء العراقي نوري باشا السعيد في أعقابِ توقيع ميثاق "حلف بغداد" مع بريطانيا العظمى. وفي غضون أشهر قليلة، أطيحَ بالملكيةِ في ثورة (انقلابِ) 14 يوليو/تموز.

ومن الأعمال الرئيسية الأخرى لكاظم حيدر لوحة "الأيدي" (1956)، والتي تصوّرُ طفلاً وسط مجموعةِ عمالٍ متيني البنيان، وعُرِضت في المعرضِ التاريخي لجمعيةِ الفنانين العراقيين الذي عُقِدَ في النادي الأولمبي الملكي في بغداد برعايةِ الملكِ فيصل الثاني في عام 1957.

كما وضعت الفنانةُ السوريةُ ليلى نصير (من مواليد 1941) المرأةَ في صدارةِ جميع أعمالها، بما في ذلك تصوير نادر للمرأة الشهيدةِ، في عملها "الأمة" (1978)، تحملها مجموعةٌ من النساءِ والرجالِ. وحين يتعلقُ الأمرُ بالعمالِ، تصوّرُ نصير النساءَ كمزارعاتٍ في الحقلِ خلال الفجرِ، كما تصوّرُ عن قربٍ النساءَ والرجالَ يحملون أدوات الزراعةِ.

وصوّرت الفنانةُ الفلسطينيةُ فيرا تماري (من مواليد 1945) "المرأة الفلسطينية في العملِ" (1979)، وهي لوحة سيراميكة تمثّلُ جزءاً من سلسلةِ أعمالٍ تُظهِرُ نساءَ الطبقة العاملة، بينما صوّرت الفنانة التونسية صفية فرحات (1924-2004) الصيادين والعمالَ في العديدِ من الأعمالِ، ويعودُ لصفية فرحات الفضلُ في إحداثِ ثورةٍ في تعليمِ الفنونِ في المعهدِ العالي للفنونِ الجميلةِ بتونس.

الفنانون والمعلمون

ارتبطَ عملُ فرحات، كفنانةٍ وكمحاضرةٍ، ارتباطاً وثيقاً مع نشاطِ زوجها السياسي الاشتراكي عبد الله فرحات في حركة التحرير في تونس. وقد تكررت هذه الظاهرة (ارتباط الفنّ بالسياسةِ) في فلسطين، حيث غالباً ما ترتبطُ حركات الفن ارتباطاً كبيراً بحركةِ التحرير، كما أصبح تصويرُ العمالِ موضوعاً مركزياً؛ في ملصقاتٍ مثل "سواعد العمالِ تحمي الثورةَ" الذي نشرته في عام 1986 جمعيةُ معامل أبناء شهداء فلسطين (صامد) (فنان مجهول).

إضافة إلى ذلك، صوّر العديدُ من الفنانين من الخليجِ الذين درسوا في القاهرة العمالَ أيضاً، بما فيهم الفنان الكويتي عبد الله القصار (1941-2003) الذي رسمَ مشهداً لبناةِ السفنِ في "ميناء الأقصر" (1964).

كما ألهمَ اكتشافُ النفطِ في الخليجِ عدداً من الفنانين لتصوير العمالِ، في أعمال مثل عملِ الفنانِ السعودي عبد الحليم رضوي (1939-2006) "إخراج البترولِ" (1965) والذي حوّلته شركةُ النفطِ السعوديةِ آرامكو إلى بطاقةٍ بريديةٍ، و"عمّال النفط (التنقيب عن النفطِ)" (1953) للفنان البحريني عبد الله المحرقي (من مواليد 1939).

كما حاولَ بعض الفنانين الخليجيين تصويرَ العمال الآسيويين الذين يدين لهم الازدهارُ الاقتصادي في هذه الدول بالكثيرِ، على سبيلِ المثالِ، الفنان القطري فرج دهام (من مواليد 1956) في عمله "شاحنة وعمال" (2011) ومؤخراً، معرضُ الفنانةِ الإماراتيةِ أسماء خوري (من مواليد 1994) "حكايات وراء الخوذاتِ" (2018) وهو مذكرة صوتية وبصرية لعمالِ الياقاتِ الزرقاءِ الجنوب آسيويين الذين نادراً ما يكونون موجودين أو ملحوظين في مشهدِ فن النخبةِ في الخليج.

 

"لوحة 1980 للفنانة السورية ليلى نصير (من مواليد 1941) المرأة في صدارة جميع أعمالها.  (photo: Ahmed Kasha)
دوافع التغييرِ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي: كان عمالُ الياقات الزرقاء محورَ تركيز الفنانين العرب منذ خمسينياتِ القرنِ الماضي. وغالباً ما تظهرُ النساءُ والرجالُ جنباً إلى جنب، مؤدين المهامَ نفسها، ومحتجين في سبيلِ القضايا والأهدافِ ذاتها. بيدَ أنّه، في العديدِ من الأماكنِ، فإنّ الكرامةَ التي يمنحها لهم الفن ينبغي أن تُترجَمَ إلى حياةٍ حقيقيةٍ؛ مؤخراً تُرِك العمالُ في وضعٍ سيء للغايةِ.

 

أما المجسّم الإسمنتي من عام 2017 للفنانِ المغربي مصطفى أكريم (من مواليد 1981)، فيعودِ إلى بداياته في منتصفِ القرن العشرين تقريباً، ويذكرنا بما أسماه أحد الصحفيين "علم دراسةِ أيقونات أربعينيات القرن العشرين". فالعملُ الذي يبلغُ قطره 200 سنتيمتراً وعنوانه "أدوات" يتضمّنُ تصويرات لمجرفةٍ، ومنشارٍ، ومطرقةٍ، وكماشةٍ ومفكٍ ومعولٍ، من بين أدواتٍ أخرى كطريقةٍ لإحياءِ ذكرى العمالِ غير المرئيين الذين غالباً ما يُخْفَوْنَ عن المجتمعِ، ولا سيما في المجتمعاتِ الغنيةِ.

يصوّرُ الفنانون العرب، منذ خمسينيات القرن الماضي، العمالَ في اللوحاتِ والمنحوتاتِ والملصقاتِ ومؤخراً في التركيباتِ ووسائلِ الإعلامِ الجديدةِ. وفي معظمِ الأحوالِ، يُصَوَّرُ كلٌّ من النساء والرجال جنباً إلى جنب، يؤدون الواجبات ذاتها، ويحتجون في سبيلِ القضايا والأهدافِ ذاتها. ولا يُرسَمُ العمالُ من مختلف الصناعات بوصفهم الشخصيات الرئيسية فحسب، بل يُصوَّرون أيضاً بكرامةٍ.

ومنذُ حوالي ثلاثة أرباعِ قرنٍ من الزمان، دفعَ العمالُ التغييرَ السياسي والاقتصادي والاجتماعي في جميع أنحاء العالم العربي، بيد أنهم في الأعوامِ الأخيرةِ غالباً ما تُرِكوا في وضعٍ أسوأ من غيره.

 

 

سلطان سعود القاسمي

ترجمة: يسرى مرعي

حقوق النشر: رصيف22

حقوق الترجمة: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة