الفنانون والمعلمون

ارتبطَ عملُ فرحات، كفنانةٍ وكمحاضرةٍ، ارتباطاً وثيقاً مع نشاطِ زوجها السياسي الاشتراكي عبد الله فرحات في حركة التحرير في تونس. وقد تكررت هذه الظاهرة (ارتباط الفنّ بالسياسةِ) في فلسطين، حيث غالباً ما ترتبطُ حركات الفن ارتباطاً كبيراً بحركةِ التحرير، كما أصبح تصويرُ العمالِ موضوعاً مركزياً؛ في ملصقاتٍ مثل "سواعد العمالِ تحمي الثورةَ" الذي نشرته في عام 1986 جمعيةُ معامل أبناء شهداء فلسطين (صامد) (فنان مجهول).

إضافة إلى ذلك، صوّر العديدُ من الفنانين من الخليجِ الذين درسوا في القاهرة العمالَ أيضاً، بما فيهم الفنان الكويتي عبد الله القصار (1941-2003) الذي رسمَ مشهداً لبناةِ السفنِ في "ميناء الأقصر" (1964).

كما ألهمَ اكتشافُ النفطِ في الخليجِ عدداً من الفنانين لتصوير العمالِ، في أعمال مثل عملِ الفنانِ السعودي عبد الحليم رضوي (1939-2006) "إخراج البترولِ" (1965) والذي حوّلته شركةُ النفطِ السعوديةِ آرامكو إلى بطاقةٍ بريديةٍ، و"عمّال النفط (التنقيب عن النفطِ)" (1953) للفنان البحريني عبد الله المحرقي (من مواليد 1939).

كما حاولَ بعض الفنانين الخليجيين تصويرَ العمال الآسيويين الذين يدين لهم الازدهارُ الاقتصادي في هذه الدول بالكثيرِ، على سبيلِ المثالِ، الفنان القطري فرج دهام (من مواليد 1956) في عمله "شاحنة وعمال" (2011) ومؤخراً، معرضُ الفنانةِ الإماراتيةِ أسماء خوري (من مواليد 1994) "حكايات وراء الخوذاتِ" (2018) وهو مذكرة صوتية وبصرية لعمالِ الياقاتِ الزرقاءِ الجنوب آسيويين الذين نادراً ما يكونون موجودين أو ملحوظين في مشهدِ فن النخبةِ في الخليج.

 

"لوحة 1980 للفنانة السورية ليلى نصير (من مواليد 1941) المرأة في صدارة جميع أعمالها.  (photo: Ahmed Kasha)
دوافع التغييرِ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي: كان عمالُ الياقات الزرقاء محورَ تركيز الفنانين العرب منذ خمسينياتِ القرنِ الماضي. وغالباً ما تظهرُ النساءُ والرجالُ جنباً إلى جنب، مؤدين المهامَ نفسها، ومحتجين في سبيلِ القضايا والأهدافِ ذاتها. بيدَ أنّه، في العديدِ من الأماكنِ، فإنّ الكرامةَ التي يمنحها لهم الفن ينبغي أن تُترجَمَ إلى حياةٍ حقيقيةٍ؛ مؤخراً تُرِك العمالُ في وضعٍ سيء للغايةِ.

 

أما المجسّم الإسمنتي من عام 2017 للفنانِ المغربي مصطفى أكريم (من مواليد 1981)، فيعودِ إلى بداياته في منتصفِ القرن العشرين تقريباً، ويذكرنا بما أسماه أحد الصحفيين "علم دراسةِ أيقونات أربعينيات القرن العشرين". فالعملُ الذي يبلغُ قطره 200 سنتيمتراً وعنوانه "أدوات" يتضمّنُ تصويرات لمجرفةٍ، ومنشارٍ، ومطرقةٍ، وكماشةٍ ومفكٍ ومعولٍ، من بين أدواتٍ أخرى كطريقةٍ لإحياءِ ذكرى العمالِ غير المرئيين الذين غالباً ما يُخْفَوْنَ عن المجتمعِ، ولا سيما في المجتمعاتِ الغنيةِ.

يصوّرُ الفنانون العرب، منذ خمسينيات القرن الماضي، العمالَ في اللوحاتِ والمنحوتاتِ والملصقاتِ ومؤخراً في التركيباتِ ووسائلِ الإعلامِ الجديدةِ. وفي معظمِ الأحوالِ، يُصَوَّرُ كلٌّ من النساء والرجال جنباً إلى جنب، يؤدون الواجبات ذاتها، ويحتجون في سبيلِ القضايا والأهدافِ ذاتها. ولا يُرسَمُ العمالُ من مختلف الصناعات بوصفهم الشخصيات الرئيسية فحسب، بل يُصوَّرون أيضاً بكرامةٍ.

ومنذُ حوالي ثلاثة أرباعِ قرنٍ من الزمان، دفعَ العمالُ التغييرَ السياسي والاقتصادي والاجتماعي في جميع أنحاء العالم العربي، بيد أنهم في الأعوامِ الأخيرةِ غالباً ما تُرِكوا في وضعٍ أسوأ من غيره.

 

 

سلطان سعود القاسمي

ترجمة: يسرى مرعي

حقوق النشر: رصيف22

حقوق الترجمة: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة