عندما أتأمل الماضي –وهو شيء لا أفعله عادةً، لكنها الذكرى الثلاثون لإنشاء فرقة ورشة– وجدتُ نفسي أمام مجموعة من العظماء الذين تخرجوا من مدرستنا بمختلف الشخصيات والمواهب، سواء مطربين أو ممثلين أو راقصين. الكثيرون يسألونني عن الكيفية التي يمكنهم بها الالتحاق بفرقتنا، لكنني أجيبهم بأنني لا أعرف حقاً.

كل ما أفعله هو أنني أخرج للشارع وأسير كالأخطبوط، أجذب الناس بمجسّاتي، وأتحدث إليهم، وأرى إن كان من الممكن أن ينضموا إلينا.

لم تكن بتاتاً من المتحمسين للقطاع العام، وتجربتك الوحيدة في مسرح الهناجر بدار الأوبرا انتهت قبل أن تبدأ، هل نقول إنها لم تكن بذات القدر من النجاح...

حسن الجريتلي: كلا. كانت ستنجح لو كنت أبحث عن حجة للغياب، لو أردت أن تضعني في الشباك، فليكن لديك آخرون في دكة الاحتياطي. ولكن إذا قلدتني هذا المنصب، فلا تتوقع مني حجة للغياب. المنطق هناك كان بيروقراطياً، لا فنياً. لقد اشتركنا في العمل مع الحكومة بينما نلف البلاد لنروج لأعمالنا.

في حقيقة الأمر، نحن أكثر فرقة مسرحية في تاريخ مصر قامت بلف البلد لتروج أعمالها. ومع هذا، لن أكون الشجرة التي تتوارى وراءها الغابة الواسعة.

ما هي الفوارق الرئيسية التي لاحظتها بين المسرح الفرنسي والمسرح المصري؟

حسن الجريتلي: ليس من السهل صناعة الفن في أي مكان في العالم، ولو اختلفت الوسائل التي تحجِّم الطريق أمام الفن، فإنها موجودة، حتى في بلد مثل فرنسا، هناك وسائل غير محددة للرقابة. لا أستطيع أن أقول إنني عملت في بيئة حيث يتوائم هامش الحرية مع أحلامي وطموحاتي الضخمة. لكن هناك أكثر من طريقة للتحايل على الرقابة. هي طبيعة الحياة، حيث الحروب اليومية على جبهة المسموح به.

نحن نعيش في عالم قمعي، انظر ما يحدث الآن في أمريكا وألمانيا، وكل ما علينا فعله هو التأقلم على ديناميكية العلاقة بين مكاننا في العالم والحدود الموضوعة. لم نكن بتاتاً على الجانب الآخر من الحدود، لم يكن مسموحاً لنا بذلك. ومع هذا، لم نستكن لطبيعة هذه الحدود، بل داومنا على أن نقول ما نريد طوال الوقت، ومططنا حدود الرقابة على قدر استطاعتنا.

هل استطعت تناول أي موضوع بحرية أم واجهت المنع بشأن مواضيع معينة؟ وهل وصلت أنباء عن انضمام أحد أفراد الحكومة لصفوف جماهيرك؟

حسن الجريتلي: هذه الصورة الكافكاوية عن فرد من الحكومة يجلس ليتابع كل ما تفعل ويسمع أفكارك، ليست بالضرورة ما يحدث في الحقيقة. الأمر أكثر تعقيداً وتشعباً. لم يكن متوقعاً لـ"ورشة" أن تبقى، لكننا استمررنا لثلاثين عاماً. كيف؟ بالتأقلم، مع عدم التنازل عن أن نقول ما نريد أن نقوله. الناس منذ عهد مبارك يقولون ما يريدون في مصر، وحتى هذه اللحظة. وأسئلتك تناقض ما يحدث يومياً وما ينمو، بل ترجح استحالة حدوثه.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة